القائمة الرئيسية

بقلم الأستاذ عدلي الخطيب/ الجبل الفلسطيني الأشم والأعباء الجسام

22-11-2020, 21:29 الكاتب عدلي الخطيب
موقع اضاءات الاخباري


عظمة هذا الجبل وسحره تثير غضب وحنق بني صهيون وأتباعهم وأسيادهم 

غريب أمر هذا الجبل الذي يكتنز هذه الصلابة والقدرة على التحمل , غريبٌ أمره فكيف لم يتصدع رغم الاهوال الذي لاقاها طيلة أكثر من قرن من الزمن , غريب أمر هذا الجبل الذي يزيل بعض أبناء جلدته أتربته وصخوره ويعملون على جعله عارياً من أشجار السنديان ومن الصخور ومن المغاور والكهوف , ويستعينون بالعدو بل ويدلونه على أسراره التي شكلت صلابته ورسوخه وعنفوانه .
غريبٌ أمر هذا الجبل الأشم العصي على الإنهيار والإندثار وقد واجه في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي من العواصف والصواعق والزلازل التي لو أنهارت على غيره لأصبح أثراً بعد عين . 
غريبٌ أمر هذا الجبل الأشم الذي بقي صامداً بل ويزداد علواً وقد تعرض لقصف مروع ومدمر من أعتى صواريخ الأرض واشدها أثراً منذ التسعينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا وكل ما تركته من أثر بعض الغبار الأمر الذي أثار دهشة وغضب وحنق بني صهيون وأعوانهم وأسيادهم . 
أي سحر أعطى لهذا الجبل الأشم عظمته وصلابته ورسوخه , بعدما حصل منذ أكثر من 4عقود من الزمن الذي شهد إتفاقية كامب ديفيد بكل ما أحدثته من إختلال فادح في الواقع الرسمي العربي فذهبت مصر ويا للأسف لمصير بائس فقدت فيه ومعه مكانتها ودورها الريادي الكبير ... لحقت إتفاقية كامب ديفيد , إتفاقية أوسلو ومن بعدها إتفاقية وادي عربة فإرتدت على أصحابها وموقعيها لتجعلهم في حيرة من أمرهم وتزيدهم ضعفاً وذلاً وهوان وأدخلتهم في أزمات ما أن تنتهي واحدة حتى يدخلوا في ثانية وهلمجرا. 
لم يتعلم الحمقى من حكام مدن الملح الدرس فانبروا يقيمون العلاقات ويعقدون الإتفاقيات ويسيرون في ركب التطبيع فقادتهم حماقتهم الى مصيرهم البائس فثرواتهم ليست لهم وبلدانهم ليست لهم وسماءهم ليس لهم وكل ما تبقى لهم صورة باهتة مضحكة موقع السخرية جراء مافعلوه بأنفسهم , ونحنُ على ثقة أكيدة أن الأمر لا يستقيم لهم وأن أهلنا في الخليج يأبون الذل والهوان ولن يكون الخليج إلا خليجاً هادراً وثائراً وعصياً على الإخضاع.
على مدار يومين فقط إنهالت قذائف وصواريخ من أحدث مافي ترسانة الأعداء على هذا الجبل الذي بقي ثابتاً لا يهتز ساخراً من الأقزام الصغار الذي يحاولون الوصول الى قمته ليؤذنوا في الناس في رابعة النهار , هذا هو الجبل الذي بقي عصياً على الغزاة طيلة قرون أصبح عارياً مكشوفاً , وجاهزاً للبيع والسبي كما يتوهمون ويحلمون , فلقد انهالت البلايا دفعة واحدة , لم تأتي فرادى كالجواسيس بل كتائب كتائب على حد تعبير ويليم شكسبير ...كانت الدفعة الأولى من هذه البلايا هو استئناف العلاقة مع الكيان الصهيوني , أقول إستئناف مجازاً لأن المعلن أنها متوقفة , لكن حقيقة الأمر أنها لم تنقطع يوماً واحداً... وإستئناف العلاقة هذه كانت ثمار رسالة وورقة أما الرسالة فهي من جانب حسين الشيخ (الوزير المنتصر) وجهها الى كميل أبو ركن منسق شؤون المناطق المحتلة يسأل فيها عما إذا كانت (إسرائيل) مستعدة للإلتزام بالاتفاقيات المعقودة مع حكومته وأما الورقة على حد تعبير السيد شتية (رئيس الوزراء ) فهي جواب أبو ركن على هذه الرسالة ويقول فيها أن الإتفاقيات الثنائية مازالت صالحة لتشكيل الإطار القانوني التنفيذي للعلاقة بين طرفين في الأمور المالية.
لكن الشيخ الوزير لم يخبر أحداً  أن رسالة أبو ركن أفادت بوقف الإستيطان وإلغاء خطة الضم وإعتبار صفقة القرن لاغية وأن القدس تعود من جديد لتكون موضع بحث وتفاوض, ولم يقل لنا أن أصدقاءه مستعدين لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين وتسليم جثث الشهداء لذويهم , ومن الواضح أن ابو ركن ليس مفوضاً لقول شيئ من هذا القبيل فخلاصة ورقته تتعلق بقضايا المقاصة . 
وفي كل الأحوال ليس مهماً ما قاله الوزير في رسالته وما قاله أبو ركن في ورقته , ليس هذا هو بيت القصيد فالمهم هنا أن العاهرة حليمة أشهرت عودتها لمهنتها وقد أنتهى مبرر الإختفاء والإختباء ووظيفته ف جو بايدن على الطريق للبيت الأبيض بعد إخلائه من ترامب وسيكون للحزب الديمقراطي تكتيكات جديدة ترضي غرور السلطة حتى لو قال بايدن أن والده كان قد أخبره أنه ليس مهماً أن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً وأن والده كان محقاً. 
وينبغي هنا أن لا نبسط الأمور بحصرها بتنسيق أمني مختلفٌ عليه فلقد أكدت سلطة الحكم الإداري الذاتي بهذا السلوك أنها لا تستطيع الإنفصال عن الإحتلال وأنها ليست نقيضة له وهذا هو هديتها لجو بادين ... وبالتأكيد أن إنتخاب بايدن رئيساً لأمريكا قد أعاد خلط الاوراق بالساحة الفلسطينية فحضرت ملفات تتضمن أولويات جديدة ,  فالعودة لإستلام أموال المقاصة بديل عن المصالحة وصرف رواتب الموظفين بديل عن إنهاء الإنقسام وفتح مكتب المنظمة في  واشنطن أهم من إعادة بناء مؤسسات المنظمة , والعودة الى المفاوضات أهم بكثير من ملف المقاومة الشعبية التي جاء إجتماع الأمناء العاميين في بيروت على ذكرها .
أما ثاني البلاوي التي انهالت هو  نزوع السلطة لإجراء تعديلات على مخصصات الأسرى إستجابة لنصائح من الحزب الديمقراطي تحمل تهديدات أنه اذا لم يتم هذا فلن يتوقعوا من إدارة بايدن أي خطوات إيجابية , وهذه التعديلات لا تتعاطى في مضمونها مع المكانة الوطنية اللائقة التي يحتلها الأسرى في الحركة الوطنية الفلسطينية بل تنحصر في البعد الإجتماعي وهذا تطور خطير في النظر للأسرى والحركة الاسيرة ولدورها الكفاحي في مواجهة الجلاد الصهيوني , وثالث هذه البلاوي هو قرار السلطة لإعادة سفيريها الى البحرين والإمارات بعد ان كانت قد إستدعتهم إثر الخطوات التطبيعية من جانب البلدين مع العدو الصهيوني وكأن شيئاً لم يحدث, وهي بهذا ستغطي بل وتشجع بعض الدول العربية على الإنخراط في التطبيع وعقد الإتفاقيات مع العدو الصهيوني . 
في خضم هذه التطورات والمستجدات جاءت زيارة بومبيو وزير خارجية ترامب لمستوطنة في الضفة والى الجولان العربي السوري في تحد سافر للقانون الدولي الذي يعتبر وجود المستوطنات غير شرعي ويعتبر الجولان أرضاً محتلة , ويواصل بومبيو صفاقته ورعونته في إعتبار منتجات المستوطنات بضائع إسرائيلية وأن مقاطعتها يعتبر عملاً معادياً للسامية , فوزير خارجية أمريكا يعطي بهذا الشرعية لوجود المستوطنات ويدير الظهر لكل قرارات المجتمع الدولي . 
إستخلاصات عديدة تؤكد عليها هذه التطورات سواء ماهو مرتبط العدو الصهيوني أو الولايات المتحدة الأمريكية أو ماهو مرتبط بواقع النظام الرسمي العربي وتداعيه وخضوعه للإملاءات الأمريكية الصهيونية أو ماهو مرتبط بالسلطة نفسها .
لا نتهم السلطة في قولنا هذا أنها كاذبة ومراوغة وفاقدة للمصداقية ولا تقيم أي إعتبار لكل الحوارات وقرارات الإجتماعات السابقة فواقع الحال يقول ذلك ونحن بالتأكيد لم نفاجئ بما حصل .. لكن ما يزيد الطين بلة هو قراءة العديد من الفصائل لهذه التطورات الخطيرة فالإكتفاء بوصفها أنها متعارضة مع القرارات التي أقرها المجلس الوطني والمركزي ومخرجات الحوار الوطني وأجتماع بيروت يمكن أن يكون مقبولاً في الخطاب الإعلامي لكن اكثر من ذلك يكون مصيبةً حقاً لأن هذا يعني فيما يعني تغييب الإستخلاصات التي تحتم أخذ قرارات من طبيعة وطنية , قرارات تجعل من التحصن بالجبل الأشم , بالشعب العنيد , بالشعب المثابر الصامد الذي لا يلين , والذي حمى القضية منذ أن وطأت الغزوة الصهيونية أرض فلسطين وحتى يومنا هذا , هو خشبة الخلاص والمنطلق لإعادة تفاعل جماهير أمتنا العربية مع شعبنا الفلسطيني في نضاله العادل وكفاحه المجيد , ومنطلق الإستراتيجية الوطنية المنشودة  والتوصل لبرنامج وطني وتأطير الجهود الوطنية والطاقات الوطنية  في جبهة مقاومة وطنية متحدة ترفع شعار اللقاء على أرض المعركة , اللقاء في ميدان الكفاح والإشتباك مع العدو , سواء كان الإشتباك سياسي أو كفاحي أو إقتصادي أو أمني أو إعلامي , وبهذا تعيدُ الإعتبار لقضية فلسطين ولمرحلة التحرر الوطني وتعيدُ لأبعاد قضية فلسطين مكانتها الحقيقية وتؤسس لمسار وطني ينهض بالساحة الفلسطينية ويرسل رسالة واضحة للعالم أجمع أن الشعب الفلسطيني لن يرفع الراية البيضاء ولن يتوقف عن النضال في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية.

شارك