القائمة الرئيسية

أمريكا  – إيران لا حرب ولا سلام \ إبراهيم سنجاب 

30-12-2020, 16:14

بينما هو يعيش منذ سنوات فى عاصمة الضباب البريطانية لندن , يلتقى ضيوفها من العرب والعجم , اطل الكاتب الفلسطينى الكبير فى إحدى تسجيلاته المصورة على متابعيه يبشرهم بإمكانية قصف اليمنيين لأهداف داخل إسرائيل , قائلا لو كان اليمنيون دولة جوار لفلسطين المحتلة  لحرروها منذ زمن . ليست هذه الكلمات هى بذاتها سواء بمبناها او معناها هى موضوع سطورنا , ولكن الذى يلفت الانتباه انها قيلت من قبل للمصريين والعراقيين والسوريين وتقال للإيرانيين والأتراك أحيانا , ويجوز أن تقال  لقطر والسعودية حتى كوريا الشمالية . وهذا  قدر الفلسطينيين وقدر القضية وقدر كل من يتحمس لها .
قضية العرب المركزية وقبلة  المسلمين الأولى تاهت بين أقدام الجميع , القوميون سلموها للإسلاميين وبدورهم تسلمها الخليجيون , الذين سبقتهم خبرتهم في تسليم  بغداد لامريكا ودمشق لروسيا وطرابلس ليبيا لحلف الناتو ومؤخرا تزور وفودهم القدس باعتبارها عاصمة اسرائيل , وما زال الكاتب الكبير ينتظر جحافل تأتيه من اليمن أو من إيران لتحريرها . 
متناسيا أن إخر معركة  خاضها الجيش الايرانى كانت ضد العراق أما التركى ففي سوريا وليبيا . حروبنا سلسلة من المبكيات فأخر معركة للجيش العراقى قبل الاحتلال الأمريكى  كانت ضد الكويت أما الجيش السورى بعد 73 فأخر معاركه كانت فى لبنان ثم داخل سوريا نفسها  , أما اليمن الذى ينتظره فيعيش محاصرا منذ ما يقرب من 6 سنوات , بين عدوان تحالف عربى وتحالفات صغيرة بين بعض اليمنيين أنفسهم , بل إن الفلسطينيين الصامدين أنفسهم ضائعون  بين أريحا وغزة . 
حرب لن تكون 
المنطقة كلها تعيش على صفيح ساخن سواء المطبعين الجدد مع إسرائيل أو من ينتظر , ومنهم من يحرض على إيران ومنهم من يعلن عن تحالفه معها ضد أى عدوان أمريكي محتمل . وفى ظل صمت روسي صينى أوروبي مريب تجوب الغواصات والبوارج والأساطيل الأمريكية والإسرائيلية  مياه المنطقة العربية من شرقها إلى غربها انتظارا لساعة الصفر التى لم تأت أبدا منذ قيام الثورة الإسلامية فى إيران فى عام 79 , ولا حتى أثناء عملية احتلال العراق عام 2003 حيث كانت كل أسلحة الدنيا مكدسة على الحدود مع طهران . 


والسؤال هل ترغب لأمريكا فعلا فى شن حرب على إيران ؟ وهل ترغب إسرائيل نفسها في شن هذه الحرب ؟ 
رغم الدعاية الصاخبة من كلا الجانبين إلا أن إيران تعرف أن أمريكا لن تحارب وتعرف أيضا أن إسرائيل كذلك لن تفعل , فلا مبرر للحرب ولا المفاعل النووى الإيرانى فى حد ذاته يصلح ليكون مبررا لحرب كبيرة أمام الرأى العام الأمريكى والإسرائيلي والعالمى , لماذا تخسر أمريكا جنديا واحدا فى حرب كهذه وهى التى تتحقق أهدافها جميعا فى المنطقة بإتصال تليفونى يتحمل تكلفته أمير عربى ؟ ونفس الأمر بالنسبة لإسرائيل , لماذا تقاتل وهى التى تحصل على تطبيع مجانى , وهى التى كانت تحلم بحدود من النيل إلى الفرات فأعطاها عرب 2020 حدودا من المحيط إلى الخليج , ومن سوقطرة جنوب باب المندب حتى سبته ومليلة على مضيق جبل طارق ؟ 
رسائل أمريكية إسرائيلية فى انتظار الرد 
أمريكا – ترامب بعث برسائله الواحدة تلو الأخرى لإيران أحيانا كان يتلقي ردا وأحيانا ينتظره , حدث هذا فى كل حدود دول وجماعات محور المقاومة بل داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها وكذك فعل نيتنياهو , ومنها حوداث سفن وطائرات فى الخليج العربى ومنها قصف لمواقع ايرانية فى سوريا ومناوشات هنا وهناك , ومنها حصار ايران اقتصاديا ومحاولة عزلها سياسيا على مدى فترة حكم ترامب  , إلى أن حدثت العملية الكبرى التى لم يتحملها الصبر الايرانى وهى قتل قاسم سليمانى حيث ردت بقصف معسكرات للجيش الامريكى فى العراق وتوترت الأجواء مجددا وانتهت إلى لا شئ ,  إلى أن تلقت أيران الضربة التالية قبل ان تحتفل بالذكرى السنوية الاولى لاستشهاد سليمانى على طريقتها , وهى قتل ألعالم النووى دون رد حتى اليوم , وهو الذى ذكر نتينياهو أسمه قبل عام من قتله في قلب طهران عندما تمكنت أسرائيل بعملية مخابراتية من الحصول على وثائق تتعلق بالبرنامج النووى الايرانى من داخل ايران . 
إذن فالذى يدعو إلى الإعتقاد بأن نشوب حرب امريكية ايرانية افتراض وهمى هو ان إيران تلقت الرسائل الأمريكية الاسرائيلية التى تتعلق بأمرين اثنين لا ثالث لهما الأول ويتعلق بقتل اهم قادتها العسكريين وهو ,الحد من نشاطها العسكرى فى العراق والشام واليمن فى مرحلة تالية واثارة الصداع فى المنطقة , أما الثانى فيتعلق بتخفيض سقف طموحها النووى بالشكل الذى تطمئن له إسرائيل , ثم يكون لها بعد ذلك ما يكون عندما يسكن الرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن فى البيت الأبيض . 
هذا على الجانب الأمريكى الإسرائيلي بتمويل خليجى أو بمشاركة عربية فماذا عن الجانب الإيرانى ؟ هل تريد إيران فعلا مواجهة عسكرية كبيرة  ؟ 
الإجابة لا حتى لو امتلكت إيران من السلاح ومن الحلفاء ما يكفى لكسر توازن الرعب وإحداث خسائر فادحة فى كل الإقليم . لماذا ؟ أولا لأنها لا تريد أن تخسر مشروعها النووى , وثانيا لأن نظام الحكم فيها حتى الآن يستند إلى قاعدة جماهيرية عريضة لا يجب ان يخسرها تحت أى ظرف وثالثها أن قدرتها على امتصاص الظروف الصعبة شارفت على أن تؤتى نتائجها برحيل ترامب وظهور الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما فى الصورة مجددا وهو بطل الاتفاق النووى ومعركة فك الحظر عن الودائع الايرانية . ثم إن قدرة الاقتصاد الايرانى بوضعه الحالى قد لا تسعفه فى معركة طويلة , رغم علاقتها الجيدة بروسيا والصين . 

فى مقال سابق قبل عام تقريبا ذكرت أن كل مشاكل المنطقة العربية شرق البحر الأحمر لن تنحل إلا دفعة واحدة معا , وذلك إذا انتهى التوتر الأمريكى الإيرانى ولو بأى نتيجة , ورغم تعكير الرئيس التركى رجب طيب أردوغان للمشهد كثيرا فى سوريا والعراق ولبنان ومؤخرا باعلان رغبته فى علاقات أفضل مع إسرائيل وإعادة تبادل السفراء , إلا أن دوره كبلطجى يغلب على بقية أدواره بحيث يرضى بالفتات غالبا , وإذا جلس على مقاعد الكبار فيبدو فى صورة اللئيم الانتهازي وليس العزيز كبير النفس والدور.
ولكن ماذا عن محور المقاومة ؟ 
بانضمام صنعاء أنصار الله إلى هذا المحور الذى يضم إيران الدولة وسوريا الدولة والعراق الحشد الشعبى ولبنان حزب الله وحماس غزة , يصبح لدى رصيدا ضخما من المقاتلين والسلاح , وهم أتباع المذهب الشيعى بالأساس لتكون ألوان الخارطة هكذا , سنة فى مقاعد السلطة والجيوش النظامية وشيعة مشاركة فى السلطة أو خارجها بدرحة او بأخرى وتبقي حماس حالة خاصة . 
على ذكر العراق الذى سبق واطلق 39 صاروخا باليستيا على اسرائيل فى عهد صدام حسين , وكانت من بين الأسباب التى تسببت فى تعطيله عن الحياة تماما ليعيش دولة بلا مستقبل واضح منذ عام 2003وحتى الإن , وليتحول إلى حديقة خلفية لواشنطن وطهران , فيه يتم الحوار بينهما بالسياسة أو بالسلاح . فى العراق تحاول حكومة الكاظمى وقبلها حاولت حكومة عبد المهدى  أعادة تنظيم الجيش الوطنى وجمع كل السلاح فى يده وانهاء مهمة الفصائل بما فيها الحشد الشعبى ولكن هذا لم يحدث حتى الإن ويعتبر حلما مؤجلا لحين إرساء قواعد تفاهم إيرانية أمريكية جديدة . سواء بالحرب أو بالتفاوض , ولكن فى حالة الحرب فلن يشارك العراق الجريح كدولة وإن شاركت الفصائل المسلحة . 
أم فى سوريا حيث يواجه جيشها إرهاب الداخل والخارج معا , وهى الدولة التى تحتفظ رسميا بحق الرد على الاعتداءات الاسرائيلية منذ عشرات السنين , وفى ظل وضع اقتصادى بائس وبنية اجتماعية محطمة بسبب ضخامة أعداد  اللاجئين للخارج والنازحين فى الداخل , فغالبا ليس لديها ما تقدمه فى مواجهة أمريكية إيرانية إلا جغرافيتها المتنازع على حدودها حتى الأن بين أمريكا وروسيا وإسرائيل وتركيا وايران وحزب الله كل فى نطاق تمركزه وحدود امكاناته , إذن فالجيش السورى كقوات وسلاح هو خارج اى مواجهة نظرا لظروف اتساع نطاق مواجهته للارهاب والمعارضة المسلحة ... الخ 
أما فى لبنان فالمعادلة واضحة تحالف حتى الموت أو الاستقرار فحزب الله الذى يدين بالولاء والمال والسلاح هو الأكثر وضوحا فى إلإعلان عن مرجعيته للولى الفقيه , ولا يمنعه من الدخول فى اى مواجهة لا حالة سياسية متردية فى لبنان ولا حالة اقتصادية يرثي لها ,بل إنه يقف حارسا على حدود الجنوب اللبنانى ومستحقات لبنان فى غاز المتوسط وحقه فى المشاركة فى عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل غن وجدت . وتصمد خبرات حزب الله فى المواجهات العسكرية مع اسرائيل منذ عام 82 لتضع حسن نصرالله فى مرتبة سيد المقاومة بلا منازع . 
وعن حماس المتأرجحة من حاضنة إلى حاضنة , بين تركيا وإيران وسوريا والعراق وقطر والسعودية , وهى التى خان قادتها النظام السورى فى 2011 , وهى التى أيد قادتها فى 2015 عمليات التحالف العربى فى اليمن , حماس حائرة بين الجميع بمذهبها السنى ومرجعيتها الاخوانية وتحكمها جغرافيتها فى مساحة ضيقة محاصرة , وتميزها بالجوار المباشر مع المدن الاسرائيلية , الإن تبذل إيران جهودا ضخمة لتحقيق المصالحة السورية الحمساوية لتوسيع رقعة التهديد الايرانى لواشنطن وتل أبيب فى حالة نشوب حرب شاملة , لو حدثت قد تحقق حماس لنفسها شئ ولكنها لن تحقق للقضية الفلسطينية أى شئ . 
ومن العراق والشام وسوريا الكبرى والهلال الخصيب والهلال الشيعى وكلها مسميات أطلقت على هذا الجزء من الخارطة العربية ونزولا غلى اقصى جنوب الجزيرة العربية , هناك فى اليمن شمالا , والتى انضمت مؤخرا لمحور المقاومة بعاصمتها صنعاء وعلى لسان زعيمها عبد الملك الحوثى , حيث تكلفة الحرب أقل والمقاتلون فيها عقيديون أهل قتال , هم الذين شعارهم ومن كان فقيرا فليستعفف . وفى رأيى ان اقوى حليف هو اليمنى فقد تم اختباره ميدانيا على مدى سنوات منذ انطلاق دعوة انصار الله فى منتصف التسعينات من القرن الماضى , وهو الحليف الذى بلا سقف ممنوعات تمنعه عن توجيه اى ضربة لأى مكان تطاله أسلحته , وقد أدى أداء مميزا فى قتاله ضد التحالف وحقق نتائج قاسية فى أرامكو والمطارات السعودية والمدن والقري اليمنية . وهو أيضا يتمتع بحاضنة شعبية مناسبة تسمح له بالقتال دون ضجيج . 
ومن يتابع خطابات نصر الله تحديدا سيلاحظ انه يعلق أمالا ضخمة على اليمنيين , فى اي مواجهة ايرانية امريكية , للدرجة التى فعلا استفزت اسرائيل , فموقع اليمن حاسم استراتيجيا , ولديه إن توفر السلاح أهدافا إقليمية ودولية سهلة ومؤثرة  . ومع ذلك فمصلحته قد تقتضى الا ينشب صراع امريكى ايرانى مباشر وأن لا تفرض عليه هذه الحرب لانه يتعامل مع ازمته الداخلية بسياسة خطوة بخطوة .
وك حال أخوان حماس الحائرون بين العواصم يقف اخوان اليمن تائهين بين المغريات الايرانية القطرية التركية , وتاريخهم مع أمريكا وبريطانيا والسعودية , ولكنهم فى كل الحالات لا يستدعون إلا للعويل والصراخ على الفضائيات وصفحات التواصل فهم في يمنهم كغيرهم فى دول أخرى خبراء فى الفتنة والتشكيك . 
فلننتظر ونرى هل ستشب حرب فى شرق البحر الأحمر تعيد هذه المنطقة إلى ما قبل التاريخ , او يجرى التوصل لتفاهمات ترضى غرور البعض ولا تحقق مصالحه ؟ او يبقي الحال على ما هو عليه ؟ المهم فى كل ذلك ما نؤكد عليه باستمرار , وهو ان مشاكل هذه المنطقة من العالم مرهونة بطبيعة ومدي الصراع الأمريكى - الإيرانى ولا عزاء للأخرين .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك