القائمة الرئيسية

كتب حليم خاتون: قراءة عن جدلية العدل والإستبداد في الدول والإمبراطوريات الجزء الأول,

10-01-2021, 10:05
موقع إضاءات الإخباري


كتب حليم خاتون:

 

الشرق والمُستبد العادل،

منذ أكثر من قرن خرجت مقولة: "لا ينهض بالشرق إلا مستبد عادل".

 

البعض يعيدها إلى العالِم الجليل، جمال الدين الأفغاني (الحسيني)، بينما يعيدها البعض الآخر إلى المُصلح الإسلامي الكبير، الشيخ محمد عبده، الذي حاول كثيرا، ولكنه لم يستطع هدم جدران التخلف والتعصب المنصوبة منذ قرون حول الأزهر، وحول مكة والمدينة، ناهيك عن الصروح الإسلامية الأخرى.

كائنا من كان قائل تلك المقولة، هو قد فرض نقاشاً جدلياً حول النظام  الاقتصادي لهذا الشرق، وصولاً إلى الأطر الاجتماعية والسياسية التي تنتج عن ذلك؛ بكلام آخر، هل يختلف الشرق عن الغرب، أو عن بقيّة العالم في هذا المجال؟

تدل تجارب كثيرة جداً، على أن نصف  هذه المقولة، يتمتع بشيء من الصدقية.

إذا رجعنا إلى التاريخ، والى الحضارات القديمة التي أسّست أمبراطوريات، نجد أنّ الاستبداد أو الديكتاتورية، بالمعنى السلطوي للكلمة، لعب دوراً كبيراً في نشوء هذه الأمبراطوريات، من الأمبراطورية الصينية القديمة إلى الأمبراطورية الرومانية، وصولاً إلى الأمبراطورية الأميركية المعاصرة، ومروراً بالخلافة الأُموية، فالعباسية، فالعثمانية.

أولا ، علينا الاعتراف بأن السِّمة الأساسيّة لنمو هذه الأمبراطوريات، ووصولها إلى القوّة شبه المُطلقة، هو وجود نظام العبوديّة فيها، سواء كانت عبوديّة مباشرة بوجود طبقات من العبيد، أو عبوديّة غير مباشرة عبر وجود أنظمة اقتصاديّة تقوم على الاستغلال الاقتصادي الظالم والمُجحف الذي تقوم به المجموعات الحاكمة بحقّ مجموعات 
أخرى على أسس دينيّة أو عرقيّة أو حتى طائفيّة.

يوفر نظام الإنتاج عند العبيد أو الاِستغلال المُفرط في الظلم، تَوَفُّر ثروة فائضة رخيصة جداً عند الطبقات أو الشعوب أوالديانات أوالطوائف  الحاكمة.

هذا ما يظهر جليّا مع عمل طبقة العبيد الواضح جداً في كل هذه الأمبراطوريات، غرباً وشرقاً، دون استثناء.

إذاً، يمكن القول: إنّ الاِستبداد، كان السمة الأساسيّةلإنتاج الثروة والقوّة الاِقتصاديّة.
 
أما الشرط الثاني، القائم على المُطالبة بالعدل والمساواة، فهو قد يكون عبر عباءة فضفاضة اسمها في العصر الحديث، الديموقراطيّة التي اختلف البشر على توصيفها.

فالديموقراطيّة قد تكون شعبيّةً ،كما في الصين، وقد تكون رأسماليةً، كما في الغرب الِاستعماري بشكليه القديم والجديد؛
وقد تكون اشتراكيّةً، كما حاول بُناة الِاتحاد السوفياتي فعله، قبل السقوط في رأسمالية الدولة واستبداد الحزب الحاكم.

الحقيقة أنّ كل التجارب السابقة تُظهر بوضوح فشلاً كبيراً في العدالة؛
على الأقل، في كل الأمبراطوريّات المذكورة أعلاه.

لعلّ البلاد الوحيدة التي تتميّز بوجود عدالةٍ اجتماعيّة ما، هي البلاد الإسكندينافيّة.

هذه البلاد قامت عبر التاريخ على أسطورة الفايكينغ، ما قبل انتشار المسيحية في تلك الأصقاع.

والفايكينغ هم قبائل متوحشة كانت تسكن هذه البلاد وانطلقت منها شرقاً، باتجاه روسيا وغربا  باتجاه انكلترة وفرنسا وصولا إلى اسبانيا، حيث تميّزوا بوحشية تفوق بأضعاف وحشية داعش والنصرة وغيرهما.

هذه القبائل كانت غالباً ما تنهب ثروات القبائل والشعوب الأخرى وتعود بها إلى موطنها، مما شكل مرّة أخرى، ثروةناتجة عن نوع آخر من الإستبداد.

كما يمكن القول: إنّ بعضهم انتشر في كل البلاد الإسكندينافيّة، واستوطنها وهو يشكل اليوم شعوب هذه البلاد كما هو الحال في الدانمارك مثلا.

بل إن هذه القبائل دخلت في نسيج الكثير من الشعوب، على الأقل في البلطيق وبريطانيا وفرنسا.

والعدالة الِاجتماعية التي نراها في هذه البلاد ناتجة عن توافر ثروات مجانية جاءت نتيجة النهب والِاستعباد المباشر في البدء، ثم عبر نهب ثروات الشعوب الأخرى عبر منظومة الِاستعمار التي مالبثت أن تطورت لتأخذ أشكال الِاستعمار الِاحتكاري، وأعلى أشكاله هو الإمبرياليّة.

السؤال الذي قديتبادر إلى الذهن فوراً، هو: أين الإسلام، أو الدين بشكل عام، من هذه المقولة ومن هذه العدالة؟

لقد جاءت المسيحيّة كنوع من الثورة على الظلم الذي ساد في مجتمع الأمبراطورية الرومانية.
وكان السيد المسيح يرى في تجار الهيكل، سواء كانوا من رجال الدين اليهود أم من تجار السلع؛ كان يرى فيهم عدواً لله، وعدواً للإنسانية.

وكما في كل مجتمع، يقوم الظلم والِاستغلال على جناحين:
الطبقة الِاقتصاديّة وهم، في حالة ثورة المسيح، تجار الهيكل.
والنظام السياسي الذي يحمي هذا الِاستغلال ويعتاش منه، وهو النظام الأمبراطوري وجيشه.

وباستثناء الدعوة إلى المحبّة، لم يقدم الدين المسيحي الجديد أي ردٍّ على اللاعدالة المنتشرة، 
ولم يعمل على إيجاد قوانين وشرائع لفرض هذه المحبّة.

لذلك، وحتى يومنا هذا، لا تزال الديانة المسيحية تستند على "العهد" القديم، الذي يحتوي الكثير من عناصر الدعوة المناقضة لكل ما جاء السيد المسيح ليدعو إليه.

أما في الإسلام، فيجب الِاعتراف بأن العدالة لم تستطع فرض نفسها على نطاق واسع، منذ الدعوة وحتى يومنا هذا.

وبرغم وجود تشريعات وقوانين دنيوية لتنظيم المجتمع، إلا أن تطبيق هذه الشرائع خضع، بشكل عام، لمزاج الطبقات الحاكمة والتي يمكن اختزالها بالخليفة وحاشيته وصبيانه من الولاة.

ولعل الفترة الوحيدة التي من الممكن وجود محاولة  لبناء عدالة اجتماعية فيها، 
مع الكثير من التحفظ، هي فترة انتشار الدعوة،وبشكل أقل،مع الخليفتين  الأول والثاني، وبعدها مع الخليفة الرابع، حيث يمكن القول: إن بذورالفسادوالعبوديّة والِاستغلال التي كانت منتشرة في مجتمع القبائل،ظلّت موجودة بهذه النسبة أو تلك، من الخلافة الراشدة ومع الخليفة عمر بن عبد العزيز.

هل كان الإسلام هو الجواب الحتمي على متطلبات البشرية؟

إنّ عدم تكوّن المجتمع الفاضل في العصر النبوي،
والِارتدادات التي حصلت مع الخليفتين الأول والثاني، والتي زاد سوءُها مع الخليفة الثالث الذي بدأ الفساد العائلي في عهده، يعطي شرعيّةً لطرح هذا السؤال.

والذي يزيد من حدّة هذا السؤال، هو فشل مشروع الدولة الفاضلة الذي حمله الخليفة الرابع.

وهنا يُطرح دوماً السؤال المشروع:
هل يمكن فعلاً إيجاد المجتمع الفاضل في هذه الدنيا، وعند هؤلاء البشر؟

 كما يبدو من التطورات التاريخية، هناك  استحالة لنجاح أي مشروع مجتمع فاضل؛ وأكبر دليل على هذا ما حصل مع السيد المسيح،ومع الإمام علي، ومن بعده مع الإمام الحسين.

إنّ النفس البشرية أمّارة بالسوء، ولذلك سوف نجد دوماً معسكر يزيد يعجّ بعشرات الألوف من الأتباع، في الوقت الذي لن يزيد معسكر الحسين عن بضع عشرات.

 حتى عصرنا الحالي لا زال نبلاء القوم أقلّ عددا  وأقلّ صداميّة حتى من أصحاب الحسين.

وإذا كان جزء كبير من الغرب يتمتّع بنوع من العدالة الِاجتماعيّة، حتى لو كان أساسها ومصدرها غير أخلاقي، وناتجاً بشكل أساسي عن نهب استعماري.
فماذا يحصل في الشرق؟

يختلف الكثيرون مع نظام بني سعود ويرفضون حتى نعته بأية صفة إسلامية.

وفي مقابل النظام السعودي البائس فعلاً، نجد نظاماً في إيران يُطلق على نفسه اسم الجمهورية الإسلامية، رغم عدم اعتراف كثيرين في العالم الإسلامي بإسلاميته.

إنّ مجرّد الحديث عن الوهاّبية كفيل برمي الجمرات على نظام بني سعود، ورفض نعته بالعدالة أو حتى بالإنسانيّة.

لكن هل هذا كافٍ لرفض إسلاميته؟

مما لا شكّ فيه أن معظم العالم الإسلامي، على الأقلّ، الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، تعترف بأن النظام القائم في تلك البلاد هو نظام إسلامي.

هذا يعني أن للإسلام أيضاً، وجه بشع، هو وجه الوهابية وبني سعود.

ماذا عن الطرف المقابل لنظام بني سعود، الطرف الإيراني؟
هل هو نظام إسلامي؟
هل هو نظام عدالة؟

حتّى ولو صرخ اتباع ابن تيمية بأعلى أصواتهم، لا يمكنهم منع وصف هذا النظام في إيران بأنه نظام غير إسلامي.

كيف يمكن لنظام بني سعود أ ن يكون إسلامياً، وفي الوقت نفسه، اعتبار النظام القائم في إيران، إسلامياً هو الآخر؟

السؤال الذي قد يبدو لوهلةٍ بأنه محيّر، لا يدعو على الإطلاق إلى الحيرة.

في الإسلام العقائدي الأول، كل من يقول بالشهادتين هو مسلم حتما.

قد يقول لك أيٌّ كان:إنّ محمد بن سلمان كاذب، وهو لا يؤمن بالشهادتين.
قد يكون هذا صحيحاً، ولكن هل الإيمان بالشهادتين وحده كفيل بإقامة المجتمع العادل؟

إذا عدنا الى كل ما ذُكر أعلاه، نرى أنّ العدالة الِاجتماعيّة في الغرب ارتبطت، بشكل من الأشكال، مع توافر ثروة فائضة.

هذه الثروة توافرت في بلاد بني سعود ، ورغم ذلك لا نرى أية عدالة، بل بؤساًوإمعاناً في الظلم والفساد والسرقة.

في المقابل، في إيران، نجد بؤساً منتشراً، ولكننا نجد في الوقت نفسه، محاولة بناء نظام عدالة اجتماعية.
كل هذا رغم غياب توافر الثروة السهلة الناتجة عن عبوديّةٍ أو استغلال.

شئنا أم أبينا، يجب الِاعتراف بأن محاولة النظام  في إيران بناء نظام عدالة اجتماعيّة غير قائم على ثروة ناتجة عن عبوديّة أو استغلال، يفرض علينا النظر إلى العناصر الموجودة في الإسلام والتي من الممكن أن تسمح لنظريّة المُستبد العادل بالتطبيق.

وإذا أمكن تطبيق هذه النظريّة في إيران،فهل من الممكن تطبيقها في لبنان، مثلاً...

للبحث تتمة.

شارك