القائمة الرئيسية

وثائق بريطانية سرية : العلاقة البريطانية الإيرانية في حكم الشاه ومراجعة بريطانية شاملة في التعامل مع الأنظمة المُستبدة 

08-02-2021, 19:18 وثائق بريطانية سرية : العلاقة البريطانية الإيرانية في حكم الشاه 
موقع اضاءات الاخباري
الشاه محمد رضا بهلوي
البريطانيون أدركوا متأخرا خطأ عدم مصارحة الشاة بشأن مشكلات بلاده الداخلية

 

وثائق بريطانية سرية : العلاقة البريطانية الإيرانية في حكم الشاه 

 

بريطانيا/إيران

 

هل يمكن أن تُصلًح أنظمة الحكم "المستبدة" في منطقة الشرق الأوسط دون أن تتغير بثورات شعبية؟ سؤال تكشف عنه الوثائق البريطانية التي إستبعدت أن يسقط نظام الشاه بهبة شعبية ثورية ؛ حيث كان التقدير الخاطيء لبريطانية إستخبراتياً ان سقوطه سيأتي من خلال إنقلاب عسكري كما ذكرت الوثائق السرية وسنذكره في تقريرنا ، فلقد جاءت الثورة الشعبية الإيرانية التي أطاحت بنظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي، أعتى أنظمة الحكم المدعومة دوليا من واشنطن ولندن وإقليميا من إسرائيل، وبتجربة بريطانيا القاسية معها .

 

تاريخ العلاقات البريطانية الإيرانية :

بداية نستذكر سريعاً أهم المحطات التي مرت بها العلاقة البريطانية الإيرانية والتي مرت بثلاث مراحل مهمة وهي  :

 

•العهد الصفوي

 بدأت العلاقات بين بريطانيا وإيران في العهد الصفوي في فترة الشاه طهماسب الأول، اذ أرسلت بريطانيا سفيرها إلى إيران سنة 969هـ، من اجل اقامة علاقات تجارية بين البلدين وشراء الحرير والتمهيد لنشاط التجار البريطانيين في إيران.

ففي البداية رفض الشاه مقترحاتهم لكن بعد فترة اذن لهم بقيام نشاطات تجارية في إيران. وفي عهد شاه عباس الاول نمت العلاقة التجارية بين البلدين، وعندما وصلت الحرب بين الصفويين والعثمانيين إلى ذروتها، حاول الشاه عباس الصفوي اقامة علاقات مع بريطانيا لتوجيه الضربة إلى العثمانيين. وكان للاخوان انتوني شرلي وروبرت شرلي دور في اقامة هذه العلاقات. حيث ادخلهما الشاه في خدمته ليقيما في تدريب الجنود الإيرانيين لاستخدام الاسلحة النارية وفنون الحرب وفي المقابل حصلا على تسهيلات تجارية هامة الذي تعهد الشاه عباس الأول بمنحها للتجار الإنكليز. وقد اتخذ البريطانيون ميناء جاسك الإيراني قاعدة لهم لتصدير الحرير الإيراني وادخال البضائع البريطانية.

 

•العهد القاجاري

 في العهد القاجاري ( 1786-1925م)، اظهرت بريطانيا نواياها الاستعمارية بفرض معاهدات واتفاقيات على إيران. حيث أصبحت إيران في العهد القاجاري موزعة بين المصالح المتعارضة للاستعمار الروسي والبريطاني، فكانت بريطانيا في تلك الفترة جاهدة للسيطرة على الخليج وعلى جميع الأراضي المجاورة للهند. وخلال فترة حكم فتح علي شاه وبعد مضي 10 سنوات من الحرب الإيرانية الروسية، أُجبرت الحكومة الإيرانية تحت ضغط الحكومة البريطانية على إبرام معاهدتين سلام مع روسيا، وهما كانا معاهدة كلستان ومعاهدة تركمانجاي والتي تم خلالهما خروج مناطق كثيرة من الأراضي الإيرانية وضمها إلى روسيا. وفي عام 1838م تحرك محمد شاه بدعم من روسيا لإعادة فتح هراة من الأفغان، لكن بسبب المقاومة التي كانت تدعمها بريطانيا لتلك المدينة فشل في حملته. في عام 1856م تمكن ناصر الدين شاه من استيلاء على هراة لكن أعلن الحاكم الإنجليزي في الهند الحرب على إيران، ونزلت القوات البريطانية على رأس الخليج، لذلك اضطر الشاه ناصر الدين إلى التسليم والانسحاب من هراة بعد توقيع معاهدة باريس التي اعترفت باستقلالية أفغانستان ومنحت العديد من الحقوق والامتيازات التجارية لبريطانيا في إيران. وقامت الحكومة البريطانية بتحديد الحدود الإيرانية في تلك المنطقة خلال ستينيات القرن الثامن عشر. 

 وفي عام 1872م حصل رويتر البريطاني على امتياز من ناصر الدين شاه القاجاري يعطي بريطانيا الحق في إنشاء خطوط السكك الحديدية وطرق المواصلات واستغلال الثروة المعدنية والبترولية لمدة سبعين سنة، كما أعطاها الحق في الإشراف على الأعمال الجمركية لمدة أربع وعشرين سنة.

وفي عام 1890م منح ناصر الدين شاه حق بيع وشراء التبغ في إيران لصالح شركة بريطانية. عارض هذا الاتفاق علماء الدين وأصدر المرجع الشيعي محمد حسن الشيرازي فتوى حَرّم فيها التنباك. التزم المسلمون في إيران بهذه الفتوى وكسروا النارجيلات وكل آلة تستعمل للتدخين، وأغلقواجميع‌ محلات‌ بيع‌ التبغ‌ والتنباك‌. فحدثت ثورة التنباك الشعبي فاضطر الشاه‌ الی التراجع والغاء الامتياز. 

 وخلال الحرب العالمية الأولى، وأصبحت إيران ساحة حرب كبيرة، حيث عقدت بريطانيا معاهدة مع روسيا عام 1907م تضمنت نصوصا عن تقسيم مناطق النفوذ فيها. فخضع القسم الشمالي للنفوذ الروسي والقسم الجنوبي الشرقي للنفوذ البريطاني، وقد مدت بريطانيا نفوذها إلى المنطقة الواقعة بين المنطقتين لتأمين الطريق إلى الهند.

تكبّدت إيران خلال الحرب خسائر مادية وبشرية جسيمة، فكان أثر الحرب علي الاقتصاد الإيراني مدمراً كما شهدت إيران في تلك الفترة موجة جفاف حادة وهذا ما أدى إلى وقوع المجاعة الكبرى في إيران عام 1917م التي أسفرت عن وفاة حوالي 25 ٪ من مجموع السكان.

 

•العصر البهلوي 

 بعد الحرب العالمية الأولى اتسع نفوذ بريطانيا في إيران وقد تدخل البريطانيون في شؤون إيران تدخلا سافرا بحيث قاموا بانقلاب عسكري جاءوا برضا شاه إلى الحكم لينتهي عصر الأسرة القاجارية ويبدأ عهد الأسرة البهلوية عام 1926.

كان محمد رضا بهلوي المولود في طهران 26 أكتوبر/تشرين الأول 1919، مواليا للغرب خلال حقبة الحرب الباردة حيث كان يواجه خطر الحركات اليسارية الإيرانية الوطنية إلى جانب طبقة رجال الدين الشيعة وعلى رأسهم آية الله الخميني الذي نفاه الشاه إلى تركيا عام 1963.

كان الشاه محمد رضا الأبن الأكبر لرضا شاه بهلوي، وهو ضابط في الجيش أصبح حاكم إيران وأسس سلالة بهلوي في عام 1925.

 

وفي الحرب العالمية الثانية كان موقع إيران الاستراتيجي وتعاظم أهمية البترول في الحرب سبباً إلى دفع الحلفاء إلى توريط إيران في نشاطاتهم العسكرية اثناء الحرب رغم اعلان إيران انها تقف موقفا محايدا.

ثم أبدى رضا بهلوي تعاطفاً مع الرئيس الألماني أدولف هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي دفع القوات البريطانية لخلعه عن العرش وتنصيب إبنه خلفا له بعد احتلال كامل للأراضي الإيرانية. تدخلت لندن مراراً في السياسة الإيرانية لضمان حصول شركتها على النفط الرخيص.

في أوائل خمسينيات القرن العشرين نشب صراع سياسي بين الشاه والشخصية الوطنية محمد مصدق. نجح مصدق في مارس/ آذار 1951 في تمرير مشروع قانون في البرلمان لتأميم الثروة النفطية الكبيرة التي كانت تسيطر عليها بريطانيا.

تعاظمت سلطة مصدق بسرعة كبيرة، وبحلول نهاية أبريل/نيسان، أُجبر محمد رضا على تعيين مصدق رئيسا للوزراء. وتلا ذلك فترة من التوتر والصراع استمرت مدة عامين. في شهر أغسطس/آب 1953 حاول الشاه إقالة مصدق، لكنه أجبر على مغادرة البلاد تحت ضغط أنصار مصدق. لكن بعد عدة أيام، تمكن أنصار الشاه وبدعم سري من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، من إعادة محمد رضا إلى السلطة.

ورغم بقاء النفط مؤمما في إيران شكلاً، لكن الشاه أبرم عام 1954 اتفاقية لتقاسم إيرادات النفط مع الشركات النفطية البريطانية والأمريكية التي كانت تتولى إدارة انتاجه.

 

وعندما أراد مصدق تأميم شركة النفط الانجليزية الايرانية التي كان البريطانيون يملكون غالبية اسهمها، أدّت بريطانيا دوراً في دفع وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) إلى تنفيذ انقلاب 1953، الذي أطاح بمحمد مصدق ووضعوه تحت الإقامة المنزلية.

 

وثائق بريطانية سرية ومراجعة شاملة للخطأ البريطاني في تقدير وضع الشاه :

ووفق وثائق سرية ، فإنه في مراجعة البريطانيين الشاملة لأخطائهم في التعامل مع الأزمة، كان من بين الأسئلة الصعبة: كيف يمكن مساعدة الأنظمة المستبدة على تصحيح مسارها لتضمن استقرارا حقيقيا ومن ثم حماية مصالح الغرب؟

 

خلال النقاش بين مسؤولي وزارة الخارجية البريطانية بمن فيهم سير أنطوني بارسونز، السفير السابق لدى طهران، رُسمت ملامح نظام الشاه المستبد على النحو التالي :

•الاعتماد الرئيسي، في تأمين نظام الحكم وبقائه، على القادة الكبار في القوات المسلحة. وأقر سير بارسونز بخطأ ذلك قائلا "كان لدي اعتقاد بأن بقاء النظام لا يعتمد على الشعبية بل يتوقف على مساندة قيادة القوات المسلحة. ولذا قدرت، خطأ، بأن الشاه لن يسقط إلا بانقلاب عسكري وليس بعمل شعبي".

 

• تطبيق برنامج تنمية اقتصادية "غير منظم وبوتيرة أسرع من قدرة المجتمع على مواكبتها"، استهدف جر البلاد إلى التغريب والميل إلى أوروبا على حساب الثقافة والتقاليد الوطنية الراسخة. ولم يلب هذا طموحات الشعب.

 

•اختيار الوقت الخطأ لتطبيق برنامج التحرر الاقتصادي والاجتماعي الشامل.

• "تغريب المثقفين" الذين كانوا "يريدون مزيدا من الحرية والمشاركة في العملية السياسية".

•تغول أجهزة الاستخبارات " التي ضللت الشاه، فانقطعت صلته بنبض الناس". وساهم في ذلك أنه "وظف شخصيات تقنية وليست سياسية لإدارة شؤون البلاد".

 

• استشراء الفساد، فرغم تفاقمه، فإن الشاه "لم يكن يعي الحد الذي وصل إليه العفن"، الذي انتشر في مؤسسات الدولة بسبب هذا الفساد.

 

الثورة الإسلامية الإيرانية
عندما أيقنت بريطانيا بأن نظام الشاه لا يريد أن ينصت للنصائح، أعادت فتح القنوات مع المعارضة ولكن كان الوقت متأخرا.

 

 

وبعد مراجعته لسياسة بريطانيا تجاه الأزمة الإيرانية في ذلك الوقت، انتهى الدبلوماسي المخضرم نيقولاس براون إلى عدد من النصائح لحماية الأنظمة من الثورات الشعبية الحتمية. وأيده في بعضها السفير بارسونز وغيره من الدبلوماسيين:

أولا:

النقاش الصريح والأمين مع النظام. ويشير براون إلى أن تجربة بلاده مع الشاه تقول إن "أفضل طريقة يؤمٍّن بها الغرب مصالحه مع أي نظام حكم مستبد موال له هي تأسيس علاقة أمينة وصريحة معه". وفي السياق نفسه، انتقد براون سياسة مدح الشاه. وقال كان "الإطراء هو السلاح المستخدم" في التعامل مع الشاه للحفاظ على المكاسب الاقتصادية.

وتشير الوثائق إلى أن جيمس كالاهان، رئيس الوزراء البريطاني، أرسل في شهر سبتمبر/ أيلول عام 1978، قبل سقوط النظام بشهور قليلة، برسالة إلى الشاه بشأن العنف المتزايد في إيران قال فيها "من المحزن أن يحدث كل هذا في وقت تتحرك إيران تحت قيادة جلالتكم الإمبراطورية بثبات في اتجاه التحول إلى مجتمع صناعي حديث يتسق مع دور البلاد المهم في الشؤون العالمية".

غير أن هذه السياسة أدت إلى أنه "لم يعد قادرا على الاستفادة من النقاش الصريح لكل مشكلات إيران مع أقرب حلفائه، الولايات المتحدة وبريطانيا"، كما أدى إلى أنه "تصرف بطريقة جعلته يعتبر نفسه محصنا من النقد. وحذر براون من أنه بهذا المنحى "لم يكن من السهل أبدا على الإيرانيين أنفسهم أن يتكلموا معه بصراحة". وفي مثل هذه الظروف "أصبح الشاه وبشكل متزايد معزولا عن الحياة الحقيقية في إيران". وكان لذلك انعكاس سلبي على مشروعه التنموي الطموح لأن العزلة عن الحياة "أسهمت في أن اتسمت خططه بقدر مبالغ فيه من الطموح، فأساء حساب قدرة البلاد على مواصلة تنمية اقتصادية سريعة، ولم يأخذ، كذلك، المعارضة وخاصة من جانب المؤسسة الدينية والتجار، مأخذ الجد".

ثانيا:

الاستماع إلى مخاوف المعارضين المشروعة بشأن التغيير. ويشير بارسونز إلى أن هدف تيار المعارضة العام كان "معتدلا وهو إقامة مجتمع يسير نحو التغيير والتقدم بمعدل أبطأ متماشيا مع الحفاظ على التقاليد والدين".

غير أن الشاه تجاهل ذلك "فلم يعد له مؤيدون سوى في بعض المناطق الصناعية" ، كما "وحد هذا المعارضة ضده".

 

ثالثا:

مراجعة سياسة بيع الأسلحة الغربية، خاصة بيع كميات كبيرة من الأسلحة باهظة الثمن للأنظمة التي لا تتمتع بشعبية قوية. وفي الحالة الإيرانية، قالت المراجعة إن إحدى وسائل حماية النظام من الوقوع في أخطاء تجعل نهايته حتمية هي "بيع كميات أقل من الأسلحة المكلفة" له، فهذا "كان سيوفر مزيدا من الأموال المتاحة لمشروعات التنمية المدنية التي تعود بمنافع سياسية" على النظام.

وقد تعرضت وزارة الدفاع البريطانية لانتقاد بهذا الخصوص. فقالت المراجعة "تبين وجود ميل لدى الوزارة لانتهاز أي فرصة ترى فيها اهتماما لدى الإيرانيين بشراء أسلحة دون أن تتشاور مع وزارة الخارجية مسبقا".

ولفتت المراجعة النظر إلى أنه حتى إذا كانت بريطانيا قد أعادت النظر في سياسة بيع الأسلحة لإيران، فإن البائعين المنافسين الآخرين لم يكونوا ليفوتوا الفرصة. وأقرت المراجعة بذلك، لذا دعت إلى موقف غربي موحد من بيعه الأسلحة. وقالت "الخلاصة هي أن سياسات بيع الأسلحة الغربية (وليس البريطانية وحدها) قد ساهمت إسهاما حقيقيا في سقوط الشاه".

وقد أيد أيه. جي. مونرو، رئيس إدارة الشرق الأوسط آنذاك، هذا الطرح. وقال إن "الدروس المستفادة في وضع سياستنا المستقبلية في التعامل مع مثل هذه الأنظمة تشمل "أهمية العمل السياسي كأساس لأي تقدير فعال للفرص التجارية مع أي دولة"، وأنه "لا يمكن لأي قدر من العتاد العسكري أن يحمي حاكما فقد ثقة ومساندة غالبية رعيته".

 

رابعا:

لا حديث عن استقرار مع مثل هذه الأنظمة. وفي رده على نتائج المراجعة، عبر السفير بارسونز عن اعتقاده بخطأ استخدام تعبيرات مثل "استقرار"، و"شعبية" عند الحديث عن نظام الشاه.

وقال "لا يوجد نظام حكم في العالم الثالث مستقر بمفهومنا للكلمة. النظام يحافظ فقط على درجة أكبر أو أقل من الهدوء. كل أنظمة العالم الثالث تقريبا تعتمد على ولاء قواتها المسلحة وليس شعبيتها".

 

خامسا:

المكاشفة بشأن حقوق الإنسان. فقد ألمح بارسونز إلى التناقض بين التصريحات العلنية والمواقف الفعلية خلف الأبواب المغلقة. وقال، في إشارة إلى أحد اللقاءات بين الدكتور ديفيد أوين، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، والشاه، "فيما يتعلق بتهرب ديفيد أوين من إثارة حقوق الإنسان مع الشاه، فإن الحقيقة هي أن أوين تحدث بجملة واحدة صيغت بطريقة لطيفة للغاية ثم غير الموضوع".

وكان براون قد أشار، ضمن خلاصات مراجعة السياسات البريطانية، إلى أنه لو كانت بريطانيا قد واصلت سياسة التحدث بأمانة مع الشاه "لكانت قد قدمت إسهاما مهما في تفكيره بشأن التطور السياسي لبلاده" و"لصورت نفسها على أنها تريد بإخلاص تام بذل كل ما تستطيع لحماية موقع الشاه"

 

الوثائق تقول إن أجهزة الاستخبارات أوهمت الشاه بأن الأمور مستقرة وأن النظام مسيطر ليتبين ضعفه لاحقا بفشل قواته الأمنية في سحق انتفاضة الشعب الذي توحدت فئاته باختلاف توجهاتها.

سادسا:

الاتفاق على سياسة غربية موحدة. نصحت مراجعة وزارة الخارجية بأنه لو تعاونت بريطانيا والولايات المتحدة في إسداء النصح للشاه، لربما أنصت وصحح المسار ونجا من السقوط. وطور بارسونز الفكرة، مشيرا إلى أن "الحل الممكن الوحيد هو سعي مشترك من جانب الأمريكيين واليابانيين والدول القائدة في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا". ووفق رأي السفير، فإنه "لو كنا قد جمعنا كلنا معلوماتنا وتوصلنا إلى خلاصات مشتركة بشأن كيفية إدارة الشاه شؤونه بشكل أفضل لاستباق أي أزمة داخلية، لشكلنا جبهة جماعية وأجبرناه على الإنصات".

وأوضح بارسونز أنه في هذه الحالة "كان سيصعب على الشاه رصد مؤامرة فردية عليه، وكان مثل هذا الهجوم سيهزه"، ومن ثم يعيد النظر في سياساته.

سابعا:

العلاقات الوثيقة مع النظام لها مخاطرها. تشير إحدى النتائج إلى أنه رغم أنه كان لهذه العلاقات "قيمة خدمت المصالح البريطانية"، فإنها "ولدت شعورا زائفا بأن النظام مستقر". ولُفت الانتباه إلى أن هذا "جعل الشاه والبريطانيين يعتقدون أن هناك غالبية صامتة تقدر المنافع الاقتصادية والاجتماعية لحكم الشاه والاستقرار والتماسك اللذين أعطاهما لإيران." غير أنه تبين في النهاية أنه لو تحقق الرخاء الاقتصادي، فإنه "يميل إلى أن يُسكت المعارضة السياسية".

 

ماذا لو أصرالنظام على سياساته؟

قام التحليل البريطاني للحالة الإيرانية على أنه من المهم أن تبحث الدول الغربية، وفي وقت مبكر، عن البدائل التي تلجأ إليها تحسبا لعدم استجابة النظام للنصح، حتى تضمن مصالحها في حال تغير النظام خاصة بثورة.

ويكشف بارسونز عن أنه عندما بلغ نظام الشاه نقطة فاصلة تأكد للبريطانيين عندها أن نظامه لم يعد له مستقبل، وأنه يصعب توجيه النصح له، بدأ البريطانيون، وإن تأخروا ، في رعاية المعارضة.

قال السفير "نقطة التحول في مصير الشاه، أي نقطة اللاعودة، جاءت يوم الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني (1978) عندما أجبره الجنرالات على تعيين حكومة عسكرية. قبل ذلك كانت هناك دائما فرصة بأنه قد ينجو كملك دستوري وبعد ذلك خفضنا ظهورنا في المشهد وكثفنا رعايتنا، التي كانت قد بدأت بالفعل، للمعارضة".

وبهذه النصيحة يصدق السفير على إشارة براون للتبعات السلبية لقطع التواصل مع المعارضة إرضاء للنظام. فقد قال بروان، في مراجعته، إنه "بمجرد إغلاق السفارة قنواتها على المعارضة، كانت المصادر الوحيدة للمعلومات هي منظمة الاستخبارات والأمن الوطني "السافاك" والشائعات والصحافة الخاضعة للسيطرة". ويضيف "كان أسهل كثيرا على السفارة أن تصل إلى تقييمات متوازنة، إن توفرت لديها معلومات أكثر من عناصر المعارضة لتقارنها برواية السافاك".

 

 

ماذا كانت تفعل الولايات المتحدة مع الشاه؟

حرص سير براون على دراسة تجربة الأمريكيين في التعامل مع الشاه. فالتقى بشخصيات من الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي آيه" ووزارة الخارجية في زيارة رتبت خصيصا لهذا الغرض إلى واشنطن.

 

واشنطن وإيران في عهد الشاه
الأمريكيون أرسلوا رسائل متضاربة إلى الشاه في أيامه الأخيرة، كما تكشف الوثائق.

 

ووفقا لنتائج هذه الزيارة والاتصالات بين أجهزة البلدين الاستخباراتية والدبلوماسية، فإن "الخبرة الأمريكية مع نظام الشاه تشير إلى أن نتائج جيدة قليلة تتحقق من محاولات لتصويب مسار الأنظمة الداخلية في الدول الأخرى، خاصة لو كانت غير متسقة مع نفسها ولا تقوم على مبادئ ثابتة".

 

وأحد الأمثلة التي ساقها البريطانيون على عدم ثبات الرؤية الأمريكية على مبدأ واحد هو موقفهم من الحكومة العسكرية التي شكلها الشاه في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني عام 1978، في محاولة أخيرة يائسة للنجاة من السقوط.

وتكشف المراجعة البريطانية عن أن زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي اتصل يوم 4 نوفمبر بالشاه هاتفيا وقال له إنه "ليس لديه علم بحكومة عسكرية فشلت". ولفت براون إلى أنه "بعد يومين فقط (أي في السادس من نوفمبر) من هذا الاتصال نُصبت حكومة الجنرال (غلام رضا) أزهري" في إيران.

غير أن المراجعة تشير أيضا إلى أنه في يوم التنصيب "قالت الخارجية الأمريكية إنها تعتقد بأن احتمال نجاح الحكومة العسكرية الآن بعيد للغاية".


 


شارك