القائمة الرئيسية

كتب الكاتب سعود قبيلات: العيون معمّاة والعقول مغمَّاة والنِّير على الرِّقاب.

04-03-2021, 01:28 رسم للكاتب والأديب سعود قبيلات
موقع إضاءات الإحباري

 

كتب الكاتب سعود قبيلات:

 

عندما استُقدِم النِّظام إلى البلاد في مطلع عشرينيَّات القرن الماضي، ووُظِّف من البريطانيين ضمن ترتيبات تنفيذ وعد بلفور، واستُبعِد الشَّعب الأردنيّ وهُمِّش لهذا الغرض – جرى استخدام أسلوب تأليب العشائر الأردنيّة بعضها ضدّ بعض، للحيلولة دون اتِّحاد الشَّعب الأردنيّ دفاعاً عن بلده وعن كرامته وحرّيّته وحقِّه في تقرير مصيره.

وفي إطار الدَّور الوظيفيّ نفسه للنِّظام، جرى في مطلع الخمسينيّات ضمّ الضَّفّة الغربيّة إلى الأردنّ. ولم يكن ذلك خياراً شعبيّاً أردنيّاً (حيث لم يُسأل الشَّعب الأردنيّ عن رأيه في هذه الخطوة)، ولا كان خياراً شعبيّاً فلسطينيّاً (كما زعم البعض مؤخَّراً)؛ حيث أنَّ الشَّعب الفلسطينيّ – بخلاف هذا الزَّعم – واجه قرار الضَّمّ بمظاهراتٍ حاشدة في مختلف أنحاء الضِّفَّة الغربيّة. وقد وُوجهتْ هذه المظاهرات بالعنف والشِّدَّة وقضى فيها شهداء، منهم – على سبيل المثال – الشَّهيدة رجاء أبو غزالة.

وأمَّا مؤتمر أريحا، الَّذي اتُّخذ ذريعة للضَّمّ، فلم يكن يمثِّل الشَّعب الفلسطينيّ في الضَّفة الغربيّة، بل اقتصر حضوره على بعض الوجهاء «المقرَّبين» من الانتداب البريطانيّ وأتباعه، ولم يُستفتَ الشَّعب الفلسطينيّ حسب الأصول لمعرفة رأيه في هذا القرار.

ومِنْ ناحية أخرى، لم تعترف بالضَّم، لا الأمم المتَّحدة ولا جامعة الدُّول العربيّة ولا أيّ دولة مِنْ دول العالم سوى بريطانيا والعراق (عراق نوريّ السَّعيد) وباكستان والولايات المتَّحدة، وقد استثنت الولايات المتَّحدة مدينة القدس من اعترافها بالضَّمّ.

وفي مطلع السِّتينيّات، حين عُقِدَ مؤتمر شتورة لوزراء الخارجيّة العرب مِنْ أجل البحث في قيامِ كيانٍ فلسطينيٍّ مستقلّ، طلب رئيس الوزراء الأردنيّ آنذاك هزَّاع المجالي مِنْ وزير خارجيّة حكومته (موسى ناصر) أن يبادر باقتراح قيام الكيان الفلسطينيّ المستقلّ ولا ينتظر أن يتقدَّم به وزراء الخارجيّة العرب الآخرون. لم يستمرّ هزَّاع المجالي بالبقاء بعدها طويلاً؛ حيث أنَّه قضى شهيداً – كما هو معروف – في انفجارٍ استهدفه أثناء دوامه في مقرّ رئاسة الوزراء، قبل مرورِ أربعٍ وعشرين ساعة على قراره ذاك.

بعد ضمّ الضّفّة الغربيّة، أصبح تأليب الشَّعب ضدَّ بعضه البعض يتَّخذ طابع أردنيّ فلسطينيّ. وقد قابلَتْه الحركة الوطنيّة للشَّعبين الشَّقيقين بالاندماج في إطار حركة وطنيّة واحدة، هي الحركة الوطنيّة الأردنيّة. وأحرزت هذه الحركة الوطنيّة الموحَّدة العديد من المكاسب، ومنها: اسقاط حلف بغداد، وطرد «كلوب باشا» وتعريب قيادة الجيش، وقيام حكومة وطنيّة تمثِّل الأغلبيّة النيابيّة (حكومة سليمان النَّابلسيّ)، وإلغاء المعاهدة الأردنيّة البريطانيّة المذلّة.

ولكن، بعد هزيمة حزيران 1967، ومجيء بعض قادة فتح من الخارج (خصوصاً من الكويت والسّعوديّة وقطر)، ودفعهم باتِّجاه حركة وطنيّة فلسطينيّة منفصلة على الأرض الأردنيّة، انقسمت الحركة الوطنيّة الموحَّدة للشَّعبين، وهُمِّشت الحركة الوطنيّة الأردنيّة ليستفرد النِّظام في تمثيل الأردنيين مِنْ أصول أردنيّة. ثمّ جاءت أحدث أيلول 1970 لتكمل تعميق الشَّرخ، فتعزَّزتْ سيطرة النِّظام وضعفت المعارضة، وتعرَّضت جميع مكوِّنات الشَّعب الأردنيّ لقمعٍ ممنهج قلّ نظيره؛ ما أدَّى إلى تجريف الحياة السِّياسيّة، وشيطنة العمل الحزبيّ بمجمله وتهميشه.

ومع انطلاق ما سُمِّي بـ«الرَّبيع العربيّ»، بدأ عددٌ مِنْ روّاد السَّفارة الأميركيّة بالعزف على وتر «الحقوق المنقوصة»، منَصِّبين أنفسهم كمتحدِّثين باسم الأردنيين مِنْ أصول فلسطينيّة. والحديث التَّآمري على الأردنّ وفلسطين الَّذي دار بين هؤلاء وبين بايدن في مقرّ السَّفارة الأميركيّة في عمَّان منشور ضمن وثائق وكيليكس بالتَّفصيل.

وفي الحقيقة، الشَّعب الأردنيّ كلّه حقوقه منقوصة طوال المئة سنة الماضية، والسِّياسات الاقتصاديّة الجائرة والفساد المستشري والدَّور الوظيفيّ للنِّظام وطبيعته التَّبعيّة تستهدف الجميع ولا تستثني أحداً.

أمَّا القرار السِّياسيّ وإدارة الدَّولة، فليسا بيد لا الأردنيين مِنْ أصول أردنيّة ولا الأردنيين مِنْ أصول فلسطينيّة، ولا بيد أيّ عشيرة من العشائر أو منطقة من المناطق. فالبلاد محكومة بنظام حُكم أوتوقراطيّ (فرديّ مطلق).. منذ مائة سنة وحتَّى هذه اللحظة. وهكذا، فإنَّ مَنْ ينتقص حقوق الأردنيين بمكوِّنيهم هو النِّظام وليس أيّ مكوِّنٍ من المكوِّنين لحقوق الآخر.

لقد جرى، خلال العقود الأخيرة، نوعٌ مِنْ تقسيم العمل، بين الأردنيين بمكوِّنيهم، لا يد لهم فيه؛ حيث تُرِكَ المجال للأردنيين مِنْ أصول أردنيّة للاعتياش من الوظيفة الحكوميّة فقط. ومِنْ أجل الوصول إلى هذا الحال، جرى تدمير البنية الاقتصاديّة الزِّراعيّة الَّتي كانوا يعتاشون منها. وجيلنا يتذكَّر عندما كان الأردنّ، حتَّى أوائل سبعينيّات القرن الماضي، يأكل مِنْ ما يزرع ومِنْ قطعان المواشي الَّتي يربِّيها الأردنيّون في القرى والأرياف، بل ويصدِّر الفائض (خصوصاً من القمح) إلى الخارج. وفي المقابل، تُرِك المجال للأردنيين مِنْ أصول فلسطينيّة للاشتغال في القطاع الخاصّ أو في الخليج، وضُيِّقت أمامهم بالتَّدريج فُرَص الاشتغال في الجهاز البيروقراطيّ الحكوميّ. وأصبح هذا يُستَغلّ لإثارة النَّعرات وتوجيه اللوم مِنْ كلّ مكوِّنٍ للآخر على سوء الحال الَّذي هم فيه جميعاً.

وخلال السَّنوات الماضية، ومع الحديث المتواتر عن مشاريع تصفية القضيّة الفلسطينيّة على الأرض الأردنيّة، اُثيرت موجة مفتعلة من الخصومات العشائريّة والمناطقيّة، وقد رأينا ذلك مِنْ خلال أعمال العنف العشائريّ المناطقيّ الَّتي شهدتها الجامعات. وفي الوقتِ نفسه، استمرَّت إثارة النَّعرات الأردنيّة الفلسطينيّة.

ومؤخَّراً، رأينا مسؤولاً سابقاً في النِّظام، يذمّ العشائر الأردنيّة ويمدح الهاشميين، باسم الفلسطينيين! ومعروف أنَّ هذا المسؤول السَّابق البارز، عندما كان يضطلع بمهامّ مناصبه الرَّفيعة في النِّظام، لم يكن يهمّه لا أردنيّ مِنْ أصل فلسطينيّ ولا أردنيّ مِنْ أصل أردنيّ، وكلّ ما كان يهمّه هو خدمة مشغِّليه في النِّظام على حساب الجميع. فلأيّ غرضٍ ينبري الآن لرمي هذا الكلام غير المسؤول الَّذي يثير الحزازات في النَّفوس ويؤلِّبُ مكوِّنيْ الشَّعب الواحد ضدَّ بعضهما البعض؟ ولصالح مَنْ؟ بالتَّأكيد، ليس لصالح الأردنيين مِنْ أصول فلسطينيّة.

ومؤخَّراً أيضاً، أعاد موقعٌ إلكترونيّ، معروفٌ مَنْ يقف وراءه، نشر رسالةٍ لبعض دعاة الحقوق المنقوصة مِنْ مرتادي السَّفارة الأميركيّة، كانوا قد وجَّهوها في العام 2012. ويُلاحَظ أنَّ هذا يترافق مع وصول بايدن إلى سدَّة الرِّئاسة في الولايات المتّحدة، كما يترافق مع تفاقم الأوضاع سوءاً في البلاد.. بما يهدِّد بالانفجار.

ويُقابل هؤلاء، على ضفَّة الأردنيين مِنْ أصول أردنيّة، أشخاصٌ يطلِقون دعواتٍ تفوح منها رائحة العداء للأردنيين مِنْ أصول فلسطينيّة.

فلصالح مَنْ تُطلَق هذه الدّعوات والدَّعوات المضادَّة (وهي وجهان لعملة واحدة)؟

أليس هذا لصالح مَنْ يصادر حقوق المكوِّنين ويقامر بمصير البلاد وبمستقبل القضيّة الفلسطينيّة على حدٍّ سواء؟

إذا استجاب النَّاس لهذه الدَّعوات الفتنويّة الَّتي تُوجَّه إلى المكوِّنين (وضدّ المكوِّنين أيضاً)، وساروا بالمطلوب منها حتَّى آخره، فهل سيستردّ الأردنيّون مِنْ أصل فلسطينيّ أو الأردنيّون مِنْ أصل أردنيّ شيئاً مِنْ حقوقهم المنقوصة؟

على العكس، لن ينتج عن ذلك سوى خراب البيت (وهو، في هذه الحالة، الوطن) ولن يستفيد أحدٌ، بل سيتضاعف حجم الحقوق المنقوصة ويتلاشى ما بقي مِنْ فُتات الحقوق.

وها نحن نشهد أخيراً كلاماً يؤلِّب الشّمال على الجنوب والجنوب على الشِّمال.. الخ!

إنَّها سياسة «فرِّق تَسُدْ» المعروفة؛ فإلى متى نظلّ ندور في هذه الحلقة الجهنَّميّة المهلكة، وعيوننا معمَّاة وعقولنا مغمَّاة والنِّير على الأعناق؟

إنَّهم يريدوننا مجرَّد مجاميع متناحرة ولا يريدوننا أن نكون شعباً؛ ويريدون بلادنا أن تكون كعكة نتصارع على تقاسمها وليست وطناً. وهذا بينما هم ينهبون كلّ شيء، ويأكلون الأخضر واليابس، ويقلعون أساسات البيت حجراً حجراً.

لا خلاص للأردنيين جميعاً إلا بحركة وطنيّة واحدة تمثِّلهم بكلّ مكوِّناتهم، فتتبنَّى مطالبهم جميعاً، وتدافع عنهم جميعاً، وتمتلك شجاعة تسمية الأشياء بمسمَّياتها ووضع النُّقاط على الحروف والاستعداد لدفع الأثمان، وتكون – أوَّلاً وأخيراً – معادية للإمبرياليّة والصهيونيّة وأتباعهما ومشاريعهما الَّتي تستهدف الأردنّ وفلسطين معاً وعلى قدم المساواة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك