القائمة الرئيسية

كتب الكاتب موسى عبًاس: الدستور اللبناني أساس فشل الدولة الحقيقية .‎

13-03-2021, 16:10 حال لبنان
موقع إضاءات الإخباري

كتب الكاتب موسى عبًاس:

 

هل الدولة اللبنانية دولة فاشلة؟

متى يمكن القول عن الدولة أنها فاشلة؟

في العام 2005 بدأت منظّمة (صندوق السلام) (Fund For Peace)بالإشتراك مع مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy)، في إصدار تقارير سنوية حول الدُوَلْ الفاشلة، وقد حدّدت خصائص رئيسية للدول الفاشلة تمثلت بـ:

-فقدان سيطرة الدولة على أراضيها أو جزء منها، أو فقدان إحتكار الإستخدام المشروع للقوة والسلطة داخل أراضيها.

-تآكل السلطة الشرعية، لدرجة العجز عن إتخاذ قرارات موحدة.

-عدم القدرة على توفير الخدمات العامة.

-عدم القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي.

-أسباب فشل الدولة اللبنانية:

-تعدّد المفاهيم والخلفيّات الثقافية في المجتمعات الطائفية والمذهبيّة التي تشكّلت منها الجغرافيا السُكّانية للبنان .

-الدستور الذي فرضه الإستعمار الفرنسي الذي على أساسه كان يجب أن تُبنى مؤسسات الدولة الدستوريّة والذي من المُفترّض أن يُخضِع الجميع مسؤولون ومواطنون لسلطة القانون ، أنْشِئ على قياس طائفي مذهبي تحاصصي.

-عدم وجود دولة تدافع عن أرضها وشعبها

من خلال الجيش الوطني، بل جيشاً خضع للمعايير الطائفية من القيادة وحتى أدنى رُتبة فيه، ولم يستطع مواجهة اعتداءات الصهاينة بسبب رفض السلطات المتعاقبة تسليحه كما يجب ولأنّ العقيدة التي كان يحملها قبل التسعينات من القرن الماضي جعلت منه "جيش السلطة وليس جيش الوطن" ، الأمر الذي أدى إلى وجود بديل يقوم مقامه (مقاومة شعبيّة)هزمت الصهاينة والتكفيريين ، وباتت رقماً صعباً في المعادلة الخارجية والداخلية،

الأمر الذي أدّى إلى نقمة عليها داخلياً من قوى وأحزاب معادية لها حاقدة عليها ترى فيها عائقاً لإستمرار هيمنتها ،وخارجيّاً من دول أجنبية وعربيّة متحالفة مع أعداًئها ، الأمر الذي أدّى إلى حصار وعقوبات عليها يدفع ثمنه الشعب اللبناني.

-فشل السلطة التشريعية في فرض قرارتها الخجولة التي أصبحت حبراً على ورق ، ولأنّ جزءاً أساسياً من تلك السلطة فاسد ومتواطئ ومشارك مع من يُطلب إليهم التنفيذ في نهب الشعب اللبناني وإفقارهِ.

والدليل رفض حاكمية مصرف لبنان وأصحاب المصارف تنفيذ سلسلة قرارات صدرت عن الحكومة وعن السلطة الإجرائية وأهمّها التدقيق الجنائي لكشف أسباب الانهيار المتلاحق مالياً واقتصادياً.

- وجود أكثر من مليونين من اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين الذين طردوا من بلادهم قهراً وقسراًً ، يتمّ استغلالهم داخليّا من قوى محليّة لخدمة منافعهم السياسية والماديّة ،وخارجيّاً من قبل الدول الكبرى لفرض سياسات تخدم مصالح تلك الدول ومصالح الكيان الصهيوني..

  -ماذا يعني ذلك؟

يعني أنّ هناك دولة عميقة هي التي تتحكّم بجميع الأمور المتعلّقة بالإقتصاد والسياسة النقدية وهذه الدولة تتمثّل بطبقة تتربّع على عرش السياسية والمال أدارت البلد منذ عقود طويلة فأثْرَتْ هي على حساب عامّةً الشعب الذي ينقاد لها في غالبيّتهِ طائفيّاً ومذهبيّاً، وأصبحت هي فوق القانون ترفض ما تشاء وتقبل ما تشاء ، وتتكاتف لمنع إجراء أي تحقيق  قد يُدينها، وحاكم مصرف لبنان هو أحد رموز تلك الطبقة ومهندس السياسة النقديّة والمساهم الأبرز مع مافيا السياسة والمال في تدهور وانهيار العملة الوطنية .

يقول الفيلسوف والمؤرخ الأميركي نعوم تشومسكي، أستاذ الفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية:

" إنّ تعريف مصطلح الدولة الفاشلة غير متماسك، ويخدم سياسات دول تسعى إلى التدخل في شؤون دول أخرى. فالدول تفشل في معظم الأحيان من جرّاء أسباب خارجية وليست داخلية، وذلك عن طريق إذكاء الصراعات الإثنية أو الطائفية أو المذهبية أو غيرها".

من المؤكّد أنّ هذا صحيح من حيث أنّ الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية لا تألو جهداً ولا تترك فرصةً إلّا واستغلّتها للتدخُّل في الشؤون الداخلية اللبنانية وخاصّةً منذ بداية الحرب الأهليّة في العام 1975  ولكنّ ذلك التدخّل تعمّق وازداد منذ نشوء المقاومة التي أجبرت القوّات المتعددة الجنسيات على الخروج من لبنان في العام 1983 وبعد هزائم الصهاينة عام 2000 ولاحقاً عام 2006 الأمر الذي جعلهم لا يتركون وسيلةً للإنتقام إلاّ وسلكوها ،بدءاً من الإغتيالات وإذكاء الصراعات الطائفية والمذهبية وشراء ذِمم سياسيين ورجال دين وإعلاميين ليكونوا أدوات تحريض وصولاً إلى العقوبات والحصار الإقتصادي والمالي والتلاعب بسعر العملة الوطنية بهدف تجويع الشعب علّه يثور ويُجبر تلك المقاومة على الرضوخ لشروطهم والتخلّي عن عوامل القوّة التي حمت ولا زالت تحمي لبنان.

-فشل الدستور  في تحقيق استقرار النظام.

إنّ اتفاق الطائف لم ينجح في إخراج لبنان من محنة النظام الطائفي الذي أرساه الإحتلال الفرنسي والذي تسبّبت انقساماته السياسية والفجوة العميقة بين الطبقات الإجتماعيّة، في دفعه إلى حروب أهليّة مدمّرة ، فشِلَ في إرساء قواعد استقرار  للنظام  الذي كان يجب أن يتساوى في ظله جميع اللبنانيين في الواجبات والحقوق ، بل على العكس انتشر الفساد بحيث لم يعُد يقتصر  على السياسيين بل تعدّاهم ليصيب الكثير من الإعلاميين والمثقفين والتجّار والمصرفيين حتى أضحى الفساد صفة عامّة وشاملة.

تعوّد اللبنانيّون على إستسهال إلقاء تبعات جميع ما يحدث على أرضهم إلى الصراع الخارجي للقوى الإقليمية والدولية وذلك لإخفاء وإنكار مسؤوليتهم عن الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنيّة التي صنعوها بأنفسهم ، فعلى مدى عقود طويلة كانت المحاصصة والمصالح الطائفية والفرديّة للزعامات وإرتهان غالبيّة السياسيين  للخارج هي السّمة الأساسيّة في لبنان ،الأمر الذي  أدّى إلى فشل المؤسسات الدستورية في منع حدوث فراغ في مكوّنات السلطة وإلى استعصاء تشكيل الحكومات المتعاقبة لا سيّما بعد اقرار "وثيقة الطائف"، وهذا يؤكّد الخللْ في تلك الوثيقة وفشلها في تثبيت قواعد دستورية لدولة حقيقية غير طائفية وغير مذهبيّة وبات المسؤولين يستطيعون التحكّم ليس بمصير  حكومة بل بمصير الشعب اللبناني بكامله دون أن يخشوا أي محاسبة، حيث أنّ قراراً من رئيس السلطة التشريعية يؤدي إلى تعطيل تلك السلطة لأشهر وسنوات ، كذلك مزاجيّة رئيس كتلة نيابيّة أو رئيس حكومة أو مكلّف بتشكيل حكومة وخضوعهم لرهانات داخلية (طائفية)وخارجيّة(استرضاء أعداء المقاومة)تجعلهم ودون أن يَرُفَ لهم جفنْ غير آبهٍين بالآلام التي يعانيها اللبنانيون ضاربين بها عرض الحائط وكأنّهم يعيشون في كوكبٍ آخر.

إنّ ما نشهده اليوم من فشل متلاحق في السياسة والإقتصاد وإنهيار المالية العامّة وحتى في القضاء ، هو خير دليل على عمق أزمة النّظام القائم ، وما تصاعُد الأحداث  والرّهان على التدويل إلاّ دليل على أنّ لبنان بات قاب قوسين أو أدنى إمّا من فتنة داخلية يُحرّض ويعمل عليها بعض الكيانات الحزبية الطائفية والتي كان لها تاريخ دامي في ارتكاب المجازر في الحرب الأهلية  وهي مدعومةً من مرجعيّات دينيّة فاعلة في مجتمعها.

نعم الدولة اللبنانية كانت فاشلة منذ إنشائها بل منذ إعلان دستورها وإنّما تعمّق هذا الفشل في العقدين الأخيرين وبات مكشوفاً علناً بعد زوال الوصاية السوريّة التي كانت تُمْسِكْ وتدير المؤسسات الدستورية في لبنان وتمنع وقوع أزمات كالتي تحدث اليوم، ولكنّ هذا لا يعني بتاتاً القبول بالتدويل لأنّه سيُدمّر الكيان اللبناني بالكامل.

 

شارك