القائمة الرئيسية

كتب الأستاذ حليم خاتون: عندما أتى الروس أيام رفيق..

29-06-2021, 22:17 مصفاة الزهراني
موفع إضاءات الإخباري

كتب الأستاذ حليم خاتون: 

 

أواسط التسعينيات، اتصل بي صديق قديم من أيام موسكو..

كان رضا، رحمه الله، من القلائل الذين ظلوا يترددون على روسيا... بعد التخرج...

"هناك شركات بناء روسية تريد المجيء للعمل في بيروت. هم مهتمون بالطرقات والجسور..".

قال لي رضا، وسألني إذا كان لدي معارف، رغم معرفته أني أعمل في المهجر واني في لبنان، لزيارة  خاصة...

ما سوف أقوله لن يتضمن أي أسماء كاملة أو مواقع، لسبب بسيط.... ليس عندي اي دليل على ما سوف أقوله سوى ما يعرفه كل اللبنانيين عن الطبقة الحاكمة...

كان أحد أصدقاء اخي يساعدني في معاملات رسمية متعبة وتحتاج كما كل شيء في لبنان، إلى ناس (واصلين)...

وكان من هؤلاء الناس (الواصلين)، مدير أحد المصارف الذين كنت اتعامل معهم...

ولأني أعرف أن له مركز في أحد تنظيمات الحريرية السياسية، كلمته عن الروس، وسألته إذا كان لديه مدخل...

استمهلني الرجل يومين ثم أتصل

ليقول لي أنه حدد لي ولرضا وللروس الموجودين في أحد فنادق بيروت، موعدا مع مدير مكتب أحدهم...

ذهبنا الى الموعد... استمع إلينا مدير المكتب... في إحدى مكاتب قصر (...)، ثم غاب حوالي نصف ساعة قبل أن يعود ومعه كارت لزيارة مكتب دراسات هندسية كان قد أخذ الموافقة على تنفيذ أحد الأوتوسترادات، وهو يريد إعادة التلزيم (Sub contract).

تم تحديد موعد لنا، في إحدى الضواحي الشمالية الشرقية لبيروت..

وصلنا، فإذا بالذي أخذ المشروع الذي سوف يكلف مئات الملايين من الدولارات، هو مكتب هندسي صغير يعمل فيه مهندسان وسكرتيرة... على الأكثر..

لم يكن لدى الرجل، أية دراسات ذات جدوى، اللهم إلا بضعة خرائط طوبوغرافية للمناطق التي يجب أن يمر فيها الأوتوستراد، وتحديدا الخط الذي يجب أن يلامس عقارات محددة كثيرة جدا، قام كبار المسؤولين بشرائها بأبخس الأثمان من أهالي البلدات والقرى...

حوالي شهر كامل، كنا نذهب كل صباح مع المعدات... نعمل حتى العصر... ثم نعود إلى الفندق في بيروت لوضع سكيتشات تلخص عمل النهار...

بعد هذا الشهر، ذهبنا الى المكتب مرة أخرى لوضعه في واقع ما نفعل...

أذكر، في آخر لقاء، طلب منا كبير مهندسي الشركة الروسية، أن نبلغ مدير المكتب أن الشركة الروسية مستعدة لإعطاء كفالة  ل٣٥ سنة لهذا الاوتوستراد...

ابتسم مدير المكتب واجاب أنه يفضل طريقا "تخرب" كل سنتين حتى يظل هو يأخذ كونترا إعادة 

إصلاحها...

ربما كنا اغبياء إلى درجة أننا سمحنا لهم بالاطلاع على الدراسات التي قمنا بها...

حيث اجابونا أنهم سيعاودون الإتصال بنا... لنفاجأ، بعد بضعة أشهر من الإنتظار ان عرضنا رُفض... رغم أنهم لم يسألونا عن الأتعاب التي نطلب...

نُفذ المشروع من قبل شركة يديرها ابن أحد كبار رجال السياسة في البلد، وهو لا يفقه في الهندسة أصلا...

كنت كلما آتي إلى لبنان، احرص على المرور على هذا الأوتوستراد لأجد دوما تموجات ورقع تدل على أن صاحبنا ظل طيلة هذه السنين يمتص من الخزينة لقاء إصلاح ما تعمد هو نفسه على تخريبه...

تذكرت كل هذه الحكاية وأنا استمع الى الخبر الذي يقول إن 

شركة روسية سوف تأتي إلى بيروت لتقديم عروضات!!!

الطبقة السياسية نفسها لا زالت في السلطة... زاد على العدد السابق بضع لصوص جدد، ومات بضعة لصوص بعدما أُتخموا من كثرة النهب والسرقة...

هل سوف يعيد التاريخ نفسه؟

التجربة تقول إن ذنب الكلب، حتى لو وُضع في قالب لأربعين سنة، سوف يظل أعوجا... كذلك لبنان...

                   

شارك