تتسابق الدول لاعتماد مفاعلات نووية متقدمة لتوفير طاقة نظيفة وأكثر أماناً، في وقت توفر فيه الطاقة النووية نحو 9% من الكهرباء التجارية عالمياً. ويوجد حالياً نحو 440 مفاعلاً نووياً عاملاً في أكثر من 30 دولة، إضافة إلى ما لا يقل عن 70 مفاعلاً قيد الإنشاء.
وخلال مؤتمر المناخ COP28 عام 2023، وقّعت أكثر من 20 دولة تعهداً بمضاعفة إنتاج الطاقة النووية ثلاث مرات بحلول عام 2050، في إطار خطط الوصول إلى الحياد الكربوني. غير أن تحقيق هذا الهدف يرتبط بشكل مباشر بتحسين معايير الأمان، خصوصاً منع حوادث الانصهار النووي التي تؤدي إلى ارتفاع حرارة قلب المفاعل وانصهار قضبان الوقود.
ما هو مفاعل Xe-100؟
لتلبية متطلبات الأمان الجديدة، تعمل شركة X-energy الأمريكية، ومقرها ولاية ماريلاند، على تطوير مفاعل من الجيل الرابع يُعرف باسم Xe-100.
ويُصنَّف هذا المفاعل ضمن فئة المفاعلات عالية الحرارة المبردة بالغاز (HTGR)، ويعتمد على تصميم “الوقود الكروي” أو ما يُعرف بمفاعل السرير الحصوي (Pebble-Bed Reactor). وتؤكد الشركة أن تصميمه يجعله عملياً غير قابل للانصهار.
تبلغ القدرة الإنتاجية لكل وحدة نحو 80 ميغاواط كهربائي، مع إمكانية تجميع أربع وحدات لتكوين محطة بقدرة تصل إلى 320 ميغاواط.
كيف يمنع المفاعل حدوث الانصهار؟
على عكس المفاعلات التقليدية التي تستخدم قضبان وقود طويلة مغمورة في الماء، يحتوي قلب مفاعل Xe-100 على آلاف الكرات المصنوعة من الغرافيت، بحجم كرة البلياردو تقريباً.
تحتوي كل كرة على آلاف الجسيمات الدقيقة من وقود اليورانيوم تُعرف باسم TRISO. ويتكون كل جسيم من نواة يورانيوم محاطة بعدة طبقات من السيراميك والكربون، تعمل كنظام احتواء مجهري مستقل.
ووفقاً لـ وزارة الطاقة الأمريكية، فإن هذه الطبقات المتعددة تحتجز نواتج الانشطار حتى في درجات الحرارة المرتفعة جداً، ما يمنع تسرب المواد المشعة حتى في الظروف القصوى.
نظام إعادة التزويد المستمر بالوقود
يتميز المفاعل بآلية تزويد مستمرة بالوقود، حيث تُضاف كرات جديدة يومياً من أعلى قلب المفاعل، بينما تُسحب الكرات الأقدم من الأسفل.
تبقى كل كرة وقود داخل المفاعل لأكثر من ثلاث سنوات، وتُعاد تدويرها داخله حتى ست مرات لتحقيق أقصى استفادة من الوقود. وبعد انتهاء دورة الاستخدام، يُخزَّن الوقود المستهلك مباشرة في حاويات جافة داخل الموقع، دون الحاجة إلى أنظمة تبريد نشطة أو مرافق تخزين مؤقتة معقدة.
التبريد بالهيليوم بدلاً من الماء
يختلف Xe-100 عن المفاعلات التقليدية المبردة بالماء الخفيف في استخدامه غاز الهيليوم كمادة تبريد.
ويمتاز الهيليوم بأنه:
خامل كيميائياً ولا يتفاعل مع الوقود أو المواد الإنشائية.
لا يتحول إلى مادة مشعة في ظروف التشغيل الطبيعية.
لا يغلي أو يغيّر حالته الفيزيائية مثل الماء، ما يقلل مخاطر عدم الاستقرار المرتبط بالضغط والبخار.
يمر الهيليوم عبر كرات الوقود لامتصاص الحرارة، ثم ينقلها إلى مولد بخار لإنتاج الكهرباء.
آلية الأمان السلبي
لا يعتمد المفاعل على مضخات كهربائية أو أنظمة طوارئ معقدة لمنع الانصهار. وحتى في حال فقدان غاز التبريد، يمكن للنظام تبديد الحرارة بشكل سلبي عبر التوصيل والحمل الحراري والإشعاع الحراري، مع بقاء الوقود سليماً.
هذا التصميم يسمح ببناء المفاعل على مسافة قد تصل إلى 500 متر فقط من المناطق الصناعية أو الحضرية، نظراً لمستوى الأمان العالي الذي يوفره.
استخدامات صناعية إضافية
إلى جانب إنتاج الكهرباء، تتيح درجات الحرارة العالية التي يعمل بها المفاعل استخدامه في تطبيقات صناعية تعتمد حالياً على الوقود الأحفوري، مثل:
إنتاج الهيدروجين.
عمليات التكرير.
الصناعات الكيميائية.
أهمية المفاعلات من الجيل الرابع
يمثل تطوير مفاعلات الجيل الرابع خطوة مهمة نحو تحقيق توازن بين التوسع في الطاقة النووية وتعزيز معايير الأمان. وإذا أثبتت هذه التقنية كفاءتها على نطاق واسع، فقد تسهم في دعم التحول العالمي نحو طاقة منخفضة الانبعاثات مع تقليل مخاطر الحوادث النووية الكبرى.