كشف باحثون ألمان عن دور بيئي مهم للإسفنج البحري في الحد من انتشار ميثيل الزئبق، أحد أخطر السموم العصبية التي تتراكم في السلسلة الغذائية البحرية وتصل في النهاية إلى الإنسان عبر استهلاك الأسماك.
وأظهرت الدراسة أن الإسفنج البحري لا يزيل هذا الملوث عبر نشاط البكتيريا كما كان يُعتقد سابقًا، بل بفضل آلية ترشيح طبيعية تقلل من امتصاصه أثناء تغذيته.

ميثيل الزئبق ... أخطر أشكال الزئبق
يُعد ميثيل الزئبق أكثر أشكال الزئبق سمية، إذ يتراكم تدريجيًا في الكائنات البحرية، وتزداد تركيزاته مع كل مستوى في السلسلة الغذائية.
ولهذا السبب تحتوي الأسماك المفترسة الكبيرة، مثل التونة وسمك القرش وسمك أبو سيف، على أعلى تركيزات من هذا المركب السام.
وعند انتقاله إلى جسم الإنسان، قد يسبب أضرارا خطيرة للجهاز العصبي، فيما تُقدَّر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذا النوع من التلوث في أوروبا وحدها بمليارات اليوروهات سنويا.
ملاحظة أثارت تساؤلات الباحثين
لاحظ علماء من معهد الأنظمة الساحلية التابع لمركز هيلمهولتز Hereon في ألمانيا أن الإسفنج البحري يحتوي دائما على مستويات منخفضة جدا من ميثيل الزئبق، رغم أنه يرشح كميات هائلة من مياه البحر للحصول على غذائه.
وفي المقابل، وجد الباحثون أن تركيز الزئبق غير العضوي داخل الإسفنج يكون مرتفعًا، وهو ما أثار تساؤلات حول سبب هذا الاختلاف.
وكان التفسير السائد سابقا يرجع ذلك إلى بكتيريا تكافلية تعيش داخل الإسفنج وتعمل على تفكيك ميثيل الزئبق وتحويله إلى أشكال أقل سمية.
آلية جديدة لا تعتمد على البكتيريا
نشرت الدراسة، التي ظهرت في مجلة Biogeosciences، تفسيرا مختلفا تماما.
وأوضح الباحثون أن السر يكمن في طريقة تغذية الإسفنج البحري، إذ يقوم بترشيح كميات كبيرة من المواد العضوية الذائبة في الماء، وهي مصدر غذائه الأساسي.
وخلال هذه العملية يمتص أيضا مركبات الزئبق الذائبة، لكن نظام الترشيح لديه يلتقط الزئبق غير العضوي بكفاءة أكبر، بينما يقلل من امتصاص ميثيل الزئبق الأكثر سمية.
وأشار الباحثون إلى أن هذا التأثير يكون أكثر وضوحا لدى أنواع الإسفنج التي تستضيف أعدادا كبيرة من البكتيريا التكافلية، إذ تؤثر هذه الكائنات في حركة المواد العضوية داخل الإسفنج.
نموذج حاسوبي يؤكد النتائج
استخدم الفريق البحثي نموذجا حاسوبيا متقدما يعرف باسم GOTM-ECOSMO E2E-MERCY لمحاكاة انتقال أشكال الزئبق المختلفة داخل النظم البيئية البحرية.
وأظهرت النتائج أنه بمجرد إدراج الإسفنج البحري في النموذج مع خصائصه الترشيحية، انخفضت تراكيز ميثيل الزئبق في النظام البيئي بشكل ملحوظ، حتى دون افتراض وجود أي عملية تحلل بيولوجي تقوم بها البكتيريا.
ويشير ذلك إلى أن سلوك الترشيح وحده يكفي لتفسير الانخفاض الذي رصده العلماء في الطبيعة.
انخفاض يتجاوز 50% في الأسماك القاعية
أظهرت عمليات المحاكاة أن وجود الإسفنج البحري يمكن أن يخفض تركيز ميثيل الزئبق في الأسماك القاعية بأكثر من 50%.
ويرى الباحثون أن هذا يمثل مساهمة كبيرة في حماية النظم البيئية البحرية، لأن الإسفنج يعد من الكائنات الأساسية في البيئات القاعية، ويلعب دورا مهما في قاعدة السلسلة الغذائية.
ومن خلال الحد من انتقال الزئبق منذ المراحل الأولى للسلسلة الغذائية، يسهم الإسفنج في تقليل وصول هذا الملوث إلى الكائنات البحرية الأكبر حجما، ثم إلى الإنسان.
المرحلة المقبلة
يعتزم الباحثون تطوير نموذجهم الحالي من نموذج أحادي البعد إلى نموذج ثلاثي الأبعاد، لدراسة تأثير تجمعات الإسفنج البحري على نطاقات أوسع وفي ظروف أكثر واقعية.
كما يأمل الفريق أن تسهم نتائج الدراسة في دعم جهود حماية موائل الإسفنج البحري، ليس فقط للحفاظ على التنوع الحيوي، بل أيضا للاستفادة من دوره الطبيعي في تنقية المياه من الملوثات السامة.