مسلسل النزوح يتجدّد جنوباً: وين نروح؟
مقالات
مسلسل النزوح يتجدّد جنوباً: وين نروح؟
يوسف فارس
8 أيار 2024 , 13:35 م

بعد ساعات من إعلان حركة «حماس» موافقتها على الورقة المصرية - القطرية لوقف إطلاق النار، أعلن جيش الاحتلال بدء التوغّل البري في المناطق الشرقية من مدينة رفح، تلك التي كان قد طالب أول من أمس السكان بإخلائها، والتوجّه إلى منطقة المواصي غرب المدينة. وتحت هدير الطائرات الحربية ودويّ القصف المدفعي العنيف، ترك عشرات الآلاف من المواطنين منازلهم، وفكّك النازحون في تلك المناطق خيامهم، وغادروا المدينة، التي احتضنتهم طوال سبعة أشهر من الحرب، إلى المجهول.بالنسبة إلى أبي محمد العطّار الذي خرج من منزله بعدما دكّت المدفعية الحارة التي يسكنها وأصيب العشرات من جيرانه، فإنّ الأقسى من ترك المنزل هو عدم وجود أيّ خيار آخر. ويقول، لـ«الأخبار»، «إننا كمواطنين، لم نفكّر منذ بداية الحرب بأن نؤمّن مكاناً بديلاً. كنا نعتقد بأن الضغط الدولي وازدحام رفح بأكثر من مليون ونصف مليون إنسان، سيحولان دون اقتحامها، لكننا فوجئنا بأوامر إخلاء عشرات المربّعات، ثم بدأ القصف الجوي العنيف، والأحزمة النارية. وجدنا أنفسنا في الشارع، من دون أيّ بديل».

في شوارع رفح، تكرّرت المشاهد القاسية التي كانت قد سُجّلت عشرات المرات، في شمال القطاع ووسطه، ثم في مدينة خانيونس: الآلاف من الفلسطينيين حملوا ما استطاعوا من أغطية في سيارات النقل والعربات التي تجرّها الدواب، ولسان حال الجميع: «وين نروح؟». لقد نزح أكثر الخارجين من رفح هذه الأيام، مرّات عديدة، قبل أن يستقرّ بهم المقام في المنطقة التي ظنّوها آمنة. ويقول أحمد صالحة، وهو أحد النازحين من مخيم جباليا، لـ«الأخبار»، إنه نزح مع عائلته المكوّنة من 13 شخصاً من حيّ السكّة شرق مخيم جباليا، إلى حيّ مشروع بيت لاهيا، ثم إلى الشيخ رضوان، ثم إلى غزة القديمة، ثم عاد إلى جباليا البلد. وبعدما اشتد القصف المدفعي، قرّر النزوح إلى الجنوب. ويضيف: «حين وصلنا إلى رفح قبل خمسة أشهر، لم نجد مكاناً ننصب فيه خيمة، سوى المناطق الشرقية البعيدة عن مركز المدينة، واليوم نترك الخيمة، إلى الشارع. نحن في الشارع حرفياً».

في مواصي خانيونس التي تزدحم بأكثر من 800 ألف فلسطيني، يصل الآلاف من النازحين يومياً بحثاً عن خيمة أو مساحة يقيمون فيها خيمة من النايلون والأغطية التي جلبوها معهم، قبل أن يعودوا خائبين. وفي المنطقة التي تزدحم فيها الخيام على مدّ البصر، تضطرّ بعض العائلات إلى دفع مبالغ كبيرة للحصول على 25 متراً من الأرض للإقامة فيها، لكن من دون فائدة. ويقول أحمد الضبع لـ«الأخبار»: «نزحت من حيّ التوام شمال غرب غزة إلى منطقة خربة العدس شرق مدينة رفح. منذ سبعة أشهر، ونحن نقيم في هذا المكان. لم أفكّر يوماً في البحث عن خيمة أو مكان بديل، كنا متفائلين بالعودة من المكان الذي يؤوينا إلى البيت أو بقايا البيت في شمال القطاع (...) منذ يومين، بحثنا في كل مناطق غرب رفح وغرب خانيونس ووسط المدينة عن مكان نقيم فيه خيمة تتّسع لعشرين فرداً، هي عائلتنا وعائلات بناتنا وأبنائنا، ولم نجد. لا يوجد مكان تضع فيه قدمك».

وأمام الواقع المتأزم في رفح، اضطرّت آلاف العائلات إلى العودة إلى مدينة خانيونس المدمّرة، إذ بدأ الأهالي هناك بتنظيف واستصلاح أيّ مساحة في البيت المدمّر للسكن فيه، وقام آخرون بتنظيف مساحة من ركام منازلهم المقصوفة، وأقاموا الخيمة فوق أنقاضها. ويقول مصطفى حجازي: «عدنا إلى مخيم خانيونس لأنه لا وجود لمكان آخر. صحيح أنه لا بنية تحتية هنا، ولا مكان للسكن، ولا مياه ولا كهرباء، لكن لا خيار آخر لدينا».