بين المأزق والحاجة، ما هو سلاح محور المقاومة الكاسر للتوازن!
مقالات
بين المأزق والحاجة، ما هو سلاح محور المقاومة الكاسر للتوازن!
حليم خاتون
23 شباط 2026 , 10:54 ص

كتب الأستاذ حليم خاتون:

هل "أُكِلَت أيران يوم أُكل الثور الأبيض"؟...

قد يبرر البعض لإيران قبول اللدغ من نفس الجحر مرات ومرات بحجة وجوب الحفاظ على الدولة المركزية الوحيدة في هذا العالم الإسلامي الكبير الذي يتصدى لأخطبوط الإبادة الغربي، ويمنع تصفية الشعب الفلسطيني...

من المؤكد أن الإيرانيين ليسوا أغبياء لكي يتم خداعهم بشكل شبه مستمر بينما هم يتشبثون بالصبر الاستراتيجي الذي أدى إلى خسائر كبيرة في الساحتين الفلسطينية واللبنانية... وحتى الإيرانية...

إذا، ما الأمر؟

هل تراهن إيران على موقع لها تحت الهيمنة الأميركية؟

هل ترضى إيران بأن تكون في موقع أنصاف العبيد لأميركا كما هو حال تركيا ومصر وإندونيسيا مثلا، بينما تصر أميركا وإسرائيل على تدمير إيران بالكامل وإحالتها إلى موقع العبد الكامل كما هو حال بلدان عرب الخليج كلها رغم التفاوت بين السعودية وقطر من جهة وصولا الى الإمارات والبحرين في أسفل سلّم التبعية والعبودية...؟...

من المؤكد أن مشكلة إيران الأساسية هي بالتحديد في وجود انقسام عامودي وأفقي داخل نظام الجمهورية الإسلامية نفسها...

التقليل من حجم الإختلاف بين التيار الثوري بقيادة المرشد من جهة، والتيار المُسمّى إصلاحي الذي تمثله شريحة واسعة من الحالمين بإمكانية وجود مكان لهم تحت شمس الهيمنة الأميركية من جهة أخرى؛ هذا التقليل من حجم الإختلاف هو السبب الأساسي في تغييب السلاح الأساسي الاستراتيجي الذي تمتلكه إيران منذ ما قبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، ولم تستعمله حتى اليوم...

هذا ما قد يعيدنا إلى حركة حماس بقيادة يحي السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى...

بعد خلاف طويل بين هؤلاء القادة الثوريين، ومجموعة الإخوان المسلمين التقليديين من أتباع خالد مشعل وموسى ابو مرزوق وجماعة تركيا داخل حماس، توصلت القيادة الثورية في حماس إلى أن حل القضية الفلسطينية لن يكون بمعارك محدودة؛ لا في الجغرافيا، ولا في الأفق الزمني لهذه المعارك...

بالنسبة لهؤلاء القادة، لا بد من تقريب المواجهة الكبرى بين العملاقين الأميركي والصيني بسبب يقين القادة الثلاثة أن المحور الأميركي البريطاني الغربي هو الحامي الأول والأهم لدولة الكيان الصهيوني، بينما المحور الأوراسي (الصين وروسيا بشكل أساسي) يجلس في موقف وسطي من هذا الكيان ولا يهمه إزالة هذا السرطان عن صدر الشعب الفلسطيني...

لذلك، قدّر القادة الثلاثة أن المواجهة الكبرى وحدها هي ما يمكن أن يدفع المحور الأوراسي إلى التخلي عن هذا الموقف الوسطي والوقوف ضد الكيان الصهيوني الذي سوف يكون مجبرا على خلع القناع والذهاب إلى الحدود القصوى في التواجد داخل المعسكر الغربي الذي يشكل القوة الأساسية لمحور الإبادة ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني، بل أيضا حتى ضد الإنسانية جمعاء كما أظهرت بعض ملفات جيفري إبستين مع التأكيد أن ما خَفِيَ من هذه الملفات أكثر رعبا مما تتصوره العقول، ويكفي الإشارة هنا إلى أن الأغلبية العظمى من الطبقة الإبستينية هم أصحاب نظرية المليار الذهبي التي تقوم على تصفية المليارات من البشر لصالح مليار واحد فقط مما يعتبره هؤلاء الأبالسة الصفوة وشعب الله المختار...

كان المفروض بطوفان الأقصى أن يجر محور المقاومة إلى الحرب لكن إيران تريثت كثيرا وحاولت ثني حزب الله عن هذا؛ وكان من المفروض حسب المنطق أن تدخل إيران بكل قوتها وأن يضطر الروس والصينيون إلى الدخول في الحرب لأن خسارة إيران وهزيمتها أمام أميركا سوف يفتح الطرق والسهول في آسيا الوسطى لزعزعة الصين وروسيا والقضاء المبرم على مشروع تعدد الأقطاب في العالم...

هل راهن القادة الثلاثة على تقريب المواجهة من تلقاء أنفسهم أم أن الروس دفعوهم إلى ذلك كما لمح إلى ذلك أكثر من مصدر إعلامي مهم على رأسهم الكاتب سامي كليب الذي تحدث اكثر من مرة حول اجتماع قادة حماس الثوريين مع الروس وتلقيهم معلومات حول هجوم اسرائيلي وشيك على الفلسطينيين، ما دفع هؤلاء الى التحرك استباقيا...

من المؤكد أن الأمور ليست بالبساطة التي يمكن تناولها كمسطح واضح جدا ذي بعدين؛ بل أن هذا العالم القائم على جدلية متعددة الأبعاد، حيث تخسر أميركا في فيتنام عسكريا ثم تستعيد هذا البلد الذي انقلب على الصين، كما تخسر فنزويلا على يد تشافيز قبل أن تستعيد هذا البلد على يد حفنة من أتباع تشافيز من المتلطين خلف قناع سيمون بوليفار...

لذلك فإن المفاوضات الدائرة بين أميركا وإيران قد تحمل بذور خيانة سواء من جانب الصين وروسيا اللتان لا تريدان الذهاب إلى الحالة القصوى في الصراع، أو من جانب التيار الاصلاحي الذي يرضى بالتخلي في أكثر من مكان في النووي وحتى في مسألة تجميد القوة الصاروخية دون أي مقابل في الجهة الإسرائيلية المدججة نوويا وصاروخيا والقدرات التدميرية التقليدية وغير التقليدية...

هل تتراجع الصين وروسيا في إيران كما حصل في سوريا وليبيا ويوغوسلافيا؟

مع كل هذا، لماذا أصرت إيران على عدم إنتاج القنبلة النووية ووضع الجميع أمام أمر واقع غير قابل للتراجع خاصة بعد أن هاجم الاميركيون ناتانز وأصفهان وفوردو؟

هناك فقط إجابتان لا ثالثة لهما!

إما أن القوة الإيرانية أضعف بكثير من إمكانيات المواجهة، ويحاول الايرانيون شراء الوقت لتخطي عصر ترامب من جهة، والوصول إلى سنة ٢٠٢٧ التي حددها الحزب الشيوعي الصيني لضم تايوان إلى الوطن الصيني الأم...

أو أن الإيرانيين يمتلكون من القوة ما يزيد عن تكهنات أميركا وإن بإمكانهم توجيه ضربات استراتيجية إلى أميركا، رغم ان هكذا أمر قد يدفع ترامب والكونغرس للإجتماع وإتخاذ قرار حرب شاملة لا قدرة لإيران على تحمل تكاليفها بينما يدفع الخليجيون معظم كلفة الحرب الأميركية كما يدفعون اليوم كلفة الحشود التي يزيد تقديرها على ثلاثمائة مليون دولار كل يوم أي ما يزيد على حوالي تسعة مليارات دولار شهريا...

المحلل الإيراني الدكتور في العلوم النووية هادي دلول يؤكد أن هذا الوضع مثالي جدا للأميركيين طالما أن سلاحهم الموجود في المخازن والموانئ والذي يكلف الخزينة اموالا طائلة، قد خرج ويتم دفع كلفة إخراجه وإيجاره من قبل الخليجيين الأغبياء؛ وهذا ما يجلب إلى الخزينة الأميركية مليارات من الدولارات من الدول التابعة للولايات المتحدة الأمريكية...

لكن ماذا لو حصل خطأ ما واشتعلت الحرب؟

ماذا إذا قام الإسرائيليون بهجوم مفاجئ كما في حزيران الماضي ثم تضطر أميركا إلى الدخول هي بدورها في هذه الحرب؟

ثم أليس الأميركيون هم وراء كل الخداع الذي يحصل منذ السابع من أكتوبر...؟

ألا يتحدث البعض عن اتفاق لوقف الحرب على لبنان مقابل الإنسحاب الإيراني من سوريا وتسليم البلد لعملاء أميركا وإسرائيل من سلفيين وإخوان...

صحيح ان الأميركيين سوف يكونون في مأزق إذا انسحبوا من دون الحصول على تنازل إيراني بعد كل التهديدات وكل ذلك الحشد؛ لكنهم في مأزق أيضا إذا دخلوا الحرب واضطرت إيران للذهاب الى الحد الأقصى بعد الإحساس بخطر وجودي وقاتلت بكل ما أوتيت من قوة وأغرقت حاملات الطائرات وقتلت مئات وربما آلاف الجنود الأميركيين...

بالتأكيد أن إيران ليست على الضعف الذي يصوره جماعة اميركا في الإعلام العربي...

إيران كانت دوما قادرة على إلحاق الأذى الكبير بالأميركيين؛ لكنها كانت تتجنب هذا الأمر

 من شبه المؤكد أن سلاح إيران الرادع بغياب السلاح النووي يستند هو نفسه إلى نفس نظرية الثلاثي الثوري داخل حركة حماس والقائم على توسيع الصراع ليجبر الصينيين والروس على الإنخراط فيه وموازنة الثقل الأميركي...

صحيح أن الإيرانيين متقدمون جدا في السلاح الصاروخي؛ وقد أثبتوا بدون أدنى شك أن الكيان الكيان الصهيوني ليس أكثر من بناء ورقي، وهو أوهن من بيت العنكبوت ويستمد كل اسباب وجوده وقدراته من الغرب الداعم من جهة، واللامبالاة الصينية وقوة اللوبي الصهيوني داخل الأوليغارشيا اليهودية الروسية من جهة أخرى؛ لذلك يبقى الحل الوحيد هو بتقريب ودفع الصراع بين المحور الغربي بزعامة أميركا وبريطانيا من جهة، والمحور الشرقي بزعامة الصين وروسيا من جهة أخرى إلى الأقصى؛ وهذا بالضبط ما يجعل حماقات ترامب تقف أمام خوف الدولة العميقة من ضربات تسرّع السقوط الأميركي عن عرش العالم لصالح الصين...