كتب محمّد الأيُّوبي:
مقالات
كتب محمّد الأيُّوبي: "من المقاطعة إلى القطيعة: "إسرائيل" في مسار العزلة داخل النظام المعرفي الغربي"
محمد الأيوبي
23 كانون الأول 2025 , 11:54 ص

لا يمكن فهم العزلة الأكاديمية المتصاعدة لـ"إسـرائيل"بوصفها ردّ فعل أخلاقيًا عابرًا على حــرب أو مـ.ـجزرة أو تصعيد عسكري بعينه.

فالمقاطعة التي بدأت منذ نهاية انتفـ.ـاضة الأقصى، ثمّ تسارعت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، تعبّر عن تحوّل أعمق في علاقة "إسرائيل" بالمنظومة المعرفية الغربية نفسها.

نحن أمام مسار تاريخيٍّ طويل، تتحول فيه المقاطعة من فعل احتجاجي جزئي إلى قطيعةٍ بِنْيَوِيَّةٍ آخذةٍ في التَّشَكُّل، تمَسُّ موقعَ "إســرائيلَ"، داخل النظام الرمزيِّ والعلمي الذي شكّل أحد مصادر قوتها الأساسية، منذ تأسيسها.

من منظور تحليلي قريب، لا تُقرأ هذه الظواهر في بُعْدِها الأخلاقيِّ فقط، بل في علاقتها بالبنى الاجتماعية العميقة، وبالتحوُّلات التي تصيبُ المجتمعاتِ الغربيةَ ذاتَها. فالعالَمُ الغربيُّ لا يعيش اليوم حالةَ استقرارٍ قِيمِيٍّ أومعرفي؛ بل يمر بمرحلةِ تفكُّكٍ تدريجيٍّ لمنظوماتِهِ الأخلاقيةِ القديمة، وصعودِ أشكالٍ جديدةٍ من الحساسيةِ السياسيةِ والثقافية.

وفي هذا السياق، تصبحُ "إسرائيلُ"حالةَاختبار:كِيانٌ يدّعي تمثيلَ"الغرب الديمقراطي"، لكنّهُ يتصرَّفُ بمنطقٍ استعمارِيٍّ صارخٍ، لم يعد قابلًا للتبريرِ داخلَ الحقولِ الأكاديميةِ التي ما زالت، نظريًا على الأقل، تدّعي الِالتزامَ بالأخلاقِ الكونية.

التحول من الحدث إلى البنية.

ما بعد 7 أكتوبر ليس مجردَ لحظةِ تصعيدٍ عسكريّ، بل نقطةَ تكثيفٍ لمسارٍ سابق. فالأوساطُ الأكاديميةُ الأوروبية، على وَجْهِ الخصوص، لم تعدْ تنظرُ إلى الصراعِ "الفلسطيني-الإسرائيلي" كملفٍّ سياسيٍّ قابلٍ للاحتواءِ، عبر وقف إطلاق النار أو تسوياتٍ مؤقتة، بل بوصفه بِنْيَةَ ظُلْمٍ تاريخي مستمرة.

وهذا ما يفسرُ حقيقةَ أنَّ إعلانَ وقفِ إطلاقِ النار، لم يؤدِّ إلى تراجعِ المقاطعةِ الأكاديمية، بل إلى العكسِ تمامًا؛ فقد تسارعت المُقاطعةُ وتوسّعت، وانتقلت من استهداف الأفراد إلى استـهدافِ المؤسسات، وهذاالانتقالُ نوعيٌّ، لا كَمِّيٌّ فقط.

فمقاطعةُ الباحثِ الفرديِّ يُمكِنُ احتواؤها أو تجاوزُها، أمامقاطعةُ الجامعةِ-باعتبارهامؤسسة-فهي تعني نَزْعَ الشرعيةِ عن دَوْرِها ووظيفتِها داخلَ الشبكاتِ المعرفيةِ الدولية.

وحين تُعلَّقُ برامجُ التبادلِ،وتُلغى الشراكاتُ البَحْثِيَّة، ويُقصى الأكاديميون"الإســرائيليون" من مجموعاتِ البحثِ الدولية، فإنَّ ذلك يُشيرُ إلى خَلَلٍ بِنْيَوِيٍّ في العلاقةِ بين "إســرائيلَ" والنظامِ المعرِفِيِّ الغربيّ.

الجامعات "الإسـ..ـرائيلية" كذراع للكيان.

لا يُمكِنُ فَهْمُ خطورةِ هذهِ العُزلَةِ دونَ التوقُّفِ عند طبيعةِ الجامعاتِ في "إســرائيل".

فالجامعاتُ "الإسـرائيليةُ" ليستْ مؤسساتٍ مدنيةً منفصلةً عنِ "الدولة"، بل تشكِّلُ جُزءًا منْ بِنْيَتِها الصّلبة؛ بعضها سبق قيام "الدولةِ"نفسِها،وأسْهَمَ في إنتاجِ نُخَبِها العسـكرية والتكنولوجية، وشاركَ،بشكلٍ مباشِرٍأو غيرِ مباشر،في بناءِ تفوُّقِها العسكري؛ برامجُ تخريجِ طياري سـلاحِ الجوّ، والبحوثُ المرتبطةُ بالأمنِ السِّيبْرانِيّ، والتكنولوجيا العسكرية، كُلُّها أمثلةٌ على هذا التداخُلِ العميقِ بينَ المعرفةِ والقوّة.

من هُنا،فإن استهدافَ الجامعاتِ ليس فعلًا رَمْزيًا، بل هو مسٌّ بإحدى ركائزِ الأمنِ القومِيِّ "الإسـرائيلي". فالدولة الحديثة لاتقوم فقط على الجيش، بل على إنتاجِ المعرفة،وعلى اندماجهافي شبكاتِ البحثِ والتمويلِ والتعاونِ الدولي.

فحين يبدأ هذا الاندماجُ بالتآكل، تصبحُ "الدولةُ" معزولةً معرفياً، حتّى وإنِ احتفظتْ بتفوُّقِها العسكري في المدى القصير.

أوروبا: المختبر الأخلاقي للأزمة.

تركُّزُ المقاطعة الأكاديمية لـ"إسـ..ـرائيل" في أوروبا ليس تفصيلًا عابرًا. فالقارَّةُ الأوروبية، التي تعيشُ منذُ سنواتٍ أزمةَ هُوِيَّةٍ عميقةً، تشهدُ صِراعًا داخليًا بين إرثِها الاستِعمارِيِّ وخطابِها القِيمِيِّ المُعاصر. فالجامعاتُ الأوروبيةُ، بوصفِها فضاءاتٍ لإعادةِ إنتاجِ النُّخَبِ والمعاني، أصبَحتْ ساحةً لهذا الصراع.

في هذا السياق، تتحول "إسرائيل" إلى مِرآة تعكسُ تناقضاتِ الغربِ ذاتِه. دعمُها غيرُ المشروطِ، مِنْ قِبَلِ الحكوماتِ الأوروبِّيَّةِ يتناقضُ مع الخطابِ الحقوقِيّ والأخلاقِيِّ الذي تُدَرِّسُهُ الجامعات.

هذا التناقضُ لم يَعُدْ مُمْكِنًا تجاهُلُه، خصوصًا مع الصوَرِ اليوميةِ لِلعُنفِ "الإسرائيليّ"،ومعَ إدراكٍ مُتَزايِدٍ بأنَّ "حلولَ إدارةِ الصراعِ" لم تعالِجْ جوَهرَ المشكلة.

والتجربةُ الإيطاليةُ مثالٌ واضحٌ على هذا التحول.

فإعلانُ 11 جامعةً حكوميةً اتّخاذَ إجراءاتٍ ملموسةٍ، ضدّ التعاونِ الأكاديميِّ معَ "إســرائيلَ"، بعد حراكٍ واسعٍ شَمَلَ مِئاتِ الطلاب والأساتذة،يُشيرُإلى أنَّ المقاطعةَ لم تَعُدْمُبادراتٍ فرديةًبل تحولت إلى أجندةٍ أخلاقيةٍ وطنية.

هُنا، لا تُطرحُ المسألةُ بوصفِها موقفًا سياسيًا، بل بوصفِها سؤالًا حولَ شرعيةِ التعاونِ معَ مؤسساتٍ تُتَّهَمُ بِدَعْمِ آلةٍ عسكريةٍ مُتوَرِّطةٍ في انتـهاكاتٍ واسعة.

فشلُ التكيُّفِ "الإسـرائيليّ".

إدراكُ "إسـرائيلَ" لِخُطورةِ هذهِ العزلةِ لا يعني قُدرتَها على معالجتِها.

الأدواتُ التي تعتَمِدُها -من تعزيزِ الشبكاتِ مع الجالياتِ اليهودية، إلى تشكيلِ فِرَقٍ لِمُكافحةِ المقاطعة، ومراقبةِ النشاطِ الطُّلَّابِيّ، والتعاونِ معَ مَكاتِبِ محاماة- تعكسُ منطقَ إدارةِ أزمةٍ، لا تفكيكَ أسبابِها. إنَّها محاولةٌ للسيطرةِ على الأعراضِ، دونَ المساسِ بالبِنْيَةِ التي تُنْتِجُها.

حتّى المؤتمراتُ التي تُنَظَّمُ تحت عنوانِ:"مكافحةُ معاداةِالسامية" تبدو، في كثير من الأحيان، جزءاً منَ المشكلةِ لا الحلّ. فهي تُعِيدُ تعريفَ المقاطعةِ بوصفِها اضطهادًا، وتتجاهلُ السؤالَ الجوهريّ: لماذا باتَ عددٌ مُتَزايِدٌ من الأكاديميينَ الغربيينَ يرفضونَ التعاونَ مع "إسرائيل"؟

هذا الهروبُ من النَّقْدِ الذَّاتِيِّ يُكَرِّسُ العُزْلَةَ، ويُحَوِّلُ هذهِ اللقاءاتِ إلى غُرَفِ صدىً مغلقة، يتحدثُ فيها المشاركون إلى أنفسِهِم.

من المقاطعة إلى القطيعة.

الأخطرُ في المشهدِ الحاليِّ هو الطابَعُ التراكُمِيُّ لِلْعُزْلَة.

التقاريرُ "الإســرائيليةُ" نفسُها تشيرُ إلى ترجيحِ استمرارِ المقاطعةِ لِفَتْرَةٍ طويلة، وإلى أنَّ التّحرُّكاتِ السياسيةَ وحدَها غيرُ كافيةٍ لتغييرِ الصورةِ السلبيةِ الراسخة.

نحنُ أمامَ مسارٍ قد يقودُ، إنِ استمرَّ، إلى قطيعةٍ معرفيةٍ جزئيةٍ أو كاملة، تفقدُ فيها "إســرائيل"موقعهاداخلَ النظامِ العلميِّ الغربيّ.

في منطقِ التحليلِ البِنْيَوِيِّ، القطيعةُ لا تحدُثُ فجأةً، بل عَبْرَ تآكُلٍ بطيءٍ لِلرَّوابط: تعليقُ برنامجٍ هُنا، إلغاءُ شراكةٍ هُناك، استبعادُ باحثِينَ من مجموعاتٍ دولية هُنالك، وانخفاضُ التمويلِ البَحْثِيّ… كلُّها خطواتٌ صغيرةٌ، لكنّها حين تتراكمُ، تُنتِجُ واقعًا جديدًا.

وإذا انتقلنا من التحليلِ النَّوْعِيِّ إلى القراءةِ الكمية، تَتَّضِحُ ملامِحُ التَّحَوُّلِ البُنْيَوِيِّ بصورةٍ أدق.

فَوِفْقَ المعطياتِ "الإسـ..ـرائيليةِ" الرسميةِ نفسِها، بلَغتْ حالاتُ المقاطعةِ الأكاديميةِفي أوروبانحوَألفِ حالةٍ حتّى نوفمبر/تشرين الثاني2025، وهو رقمٌ يعكِسُ تضاعُفًا خلالَ أقلِّ من عامٍ واحد.

اللّافِتُ هُنا ليس الرقمَ بحدِّ ذاتِه، بل توزيعُه،إذ إنَّ: 57%، من هذه الحالاتِ طالت باحثينَ أفراداً،عَبْرَ الاستِبعادِ من مجموعاتِ بحثٍ دولية، ما يعني عزلاً وظيفياً مباشراً داخلَ شبكاتِ إنتاج ِ المعرفة؛بينماشكّلتِ المُقاطعاتُ المؤسساتِيةُ 22%، وهي النسبةُ الأخطرُ بِنْيَوِياً،لأنها تقطعُ الروابطَ بين الجامعاتِ، كَنُظُمٍ مُتَكامِلَةٍ لا كأفراد.

أمّا تعليقُ البرامجِ الدوليةِ -من تبادُلٍ طلابٍيٍّ وشَراكاتٍ، ما بعد الدكتوراه- فبلغَ 14%، وهو مؤشِّرٌ على تآكُلٍ طويلِ الأمدِ في إعادةِ إنتاجِ النُّخَبِ الأكاديميةِ "الإســرائيليةِ" نفسها.

وهذا المشهدُ يكتسبُ خطورتَهُ القُصوى عِندَ رَبْطِهِ بِانْخِفاضِ التمويلِ من برامجَ إستراتيجيةٍ مثلِ "هورايزون أوروبا"، إذ لا يتعلقُ الأمرُ بخسارةِ مواردَ ماليةٍ فحسبْ، بل بخروجٍ تدريجِيٍّ منَ الفضاءِ المَعْرِفِيِّ الذي يُحَدِّدُ أولوياتِ البحثِ والتقدُّمِ العلميِّ في الغرب.

بهذا المعنى، تتحولُ المقاطعةُ من ضغطٍ أخلاقيٍّ إلى آلِيَّةِ إعادةِ تصنيف:"إسرائيلُ"لم تعدْ تُعامَلُ كجزءٍ طبيعيٍّ منَ النظامِ المَعْرِفِيِّ الغربيّ، بل كجسمٍ إشكالِيٍّ يُعادُ تَقْيِيمُ مَوْقِعِهِ ووظيفَتِهِ داخلَ هذا النظام.

العزلةُ بِوَصْفِها مُؤَشِّرُ أُفُول.

في النهاية، لا تُعَبِّرُ العُزْلَةُ الأكاديميةُ لـ"إســرائيلَ" فقطْ، عن موقفٍ من سِياساتِها، بل عن أزمةٍ أعمقَ، في قُدْرَتِها على الِانْدِماجِ في نظامٍ قِيمِيٍّ،ومعرِفِيٍّ يتغيَّرُ بسرعة.

إنها علامةٌ على اخْتِلالِ العلاقةِ بينَ القُوَّةِ والمعنى: دولةٌ تَمْتَلِكُ قوَّةً عسـكريةً هائلة، لكنَّها تَفْقُدُ قدرتَهاعلى إقناعِ النُّخَبِ المعرفية، تَدْريجِياً، بشرعيةِ استخدامها.

من هذاالمنظور،لاتبدوالمقاطعةُ الأكاديميةُ حَدَثاً هامِشياً أو رمزِياً، بل مؤشِّراً على مسارِ أُفُولٍ،وإن بطيءٍ، يبدأُ منَ الحقولِ التي تُنتِجُ المعنى،ويَنْتَقِلَ لاحقًاإلى الحقولِ السياسيةِ والاقتصادية.

فحينَ تَنْسَحِبُ المعرفةُ،تنسحِبُ الشرعية؛ وحين تُصبِحُ الجامعاتُ عِبئاً، بَدَلَ أنْ تكونَ رَصيدًا، فإنَّ ذلكَ يُشِيرُ إلى خَلَلٍ بِنْيَوِيٍّ عميقٍ في بِنْيَةِ "الدولةِ" نَفْسِها، يمنعُ من بقائها دولة.

هكذا، فإنَّ تَحَوُّلَ "إسـ..ـرائيل" تدريجياً، من شريكٍ في النظامِ المعرفيِّ الغربيّ،إلى حالةٍ إشكاليةٍ داخلَهُ، ومن كِيانٍ كان "طبيعياً" في هذا النظام، إلى اسْتِثْناءٍ مُرْبِكٍ لَهُ، كما هوالواقِعُ اليوم، فهذا الأمرُ، في منطق التاريخ الطويل، تطوُّرٌ لا يُمْكِنُ التقليلُ مِنْ خُطُورَتِه.

الأكثر قراءة ترامب والشرق الأوسط: إدارة المنطقة بمنطق الإهانة
العداء بلا دبلوماسية: كيف تعامل ترامب مع العرب
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً