كتب حسن علي طه
تُقرأ السياسة إمّا بعين الجاهل أو الحاقد، أو العبد المطيع. والوحيد الذي يصل إلى الحقيقة هو قارئ السياسة الحر.
تأخّر حزب الله في الانخراط في الحرب على إسرائيل. فليس سرًّا أن الحزب أُصيب بندوب وجروح منذ أن دخل معركة إسناد غزة.
أتت الحرب على إيران منتصف العام الماضي، ومعها الطريقة المفاجئة التي أنهى فيها ترامب الحرب آنذاك، ما فوّت على الحزب يومها فرصة المشاركة، مستفيدًا من اليد الطولى للجمهورية الإسلامية في ردّ العدوان. يومها طلب نتنياهو من ترامب وقف النار قبل انهيار كيانه
ومما لا شك فيه أن قرار ضرب إيران وسحقها قرارٌ متخذ منذ أمد بعيد، وكان ردّ فعل إيران وحلفائها هو المانع لتنفيذه، ليبقى القرار مؤجّلًا إلى أن جاءت حرب حزيران 25. وعلى الرغم من نتيجتها ، كرر العدو حماقته، حتى إن البعض ذهب حدّ التنبؤ بأن العدو إمّا يخطئ في تقديراته، أو أنه يبيّت أمرًا جللًا يتجاوز الحسابات التقليدية لحرب نووية .
افتتح العدو الحرب بضربات واغتيالات لكبار القادة، وعلى رأسهم السيد خامنئي. وسريعًا أتى ردّ إيران، التي وسّعت نطاق المواجهة إلى أكثر من ساحة. فقُصفت قواعد في الكويت، والسعودية، ودبي، وقطر، وعُمان، والأردن، والبحرين، وأبو ظبي، والإمارات، وصولًا إلى كيان العدو، والبحرية الأمريكية. ثم أُغلق مضيق هرمز.
ومع اتساع رقعة المواجهة، ظهر بوضوح أن منظومات الردع والتحالفات الدولية تُستنفَر فورًا حين يكون أمن إسرائيل مهددًا، بينما تُترك العواصم العربية لتدير قلقها منفردة. وعلى هامش هذه الحروب اكتشف العرب أن أولوية الحماية لإسرائيل لا لهم.
إلى ماذا يهدف العدو؟
استباح غزة عامين كاملين قتلًا وتدميرًا، وما أُلقي عليها يعادل مراتٍ عدة قنبلة هيروشيما. ومع ذلك، لم تُحسم المعركة كما أراد. فهل حققت حربه أهدافها؟
فإيران بحجم 470 غزة، ومنذ الساعة الأولى كان الفرق واضحًا. وعلى الرغم من كِبر الجبهة المعادية لها، إلا أن الداخل الإسرائيلي تعرّض لضغط غير مسبوق. في حين أن إيران لم تُظهر بعد كامل قدراتها العسكرية.
يومان على بداية الحرب، والمعروف أن استطلاعات الرأي في الكيان تكون في ذروتها في الأيام الأولى لأي مواجهة، لكن استمرار الضغط على الجبهة الداخلية كفيلٌ بقلب المزاج العام وإعادة طرح سؤال الجدوى.
قبل أن يفتتح حربه على إيران، سعى العدو إلى ضمان تحييد الحزب، عبر رسائل وضغوط هدفت إلى إبقاء الجبهة اللبنانية خارج المعادلة. ففتح جبهة إضافية كان يعني تشتيت الجهد العسكري ورفع كلفة المواجهة إلى مستوى يصعب التحكم به.
غير أن ميزان الضغط تغيّر مع اتساع الرد الإيراني واتساع دائرة الاستهداف. ومع انتقال الحرب من ضربة محدودة إلى معادلة إقليمية مفتوحة، دخل حزب الله في اللحظة التي بدأ فيها العبء يتزايد على العدو. لم يكن دخوله اندفاعًا عاطفيًا، بل خطوة محسوبة في سياق إعادة توزيع الضغط.
لم يدخل الحزب الحرب إسنادًا لإيران، فهي ليست في موقع من يحتاج إلى إسناد، بل دخل مستندًا إليها في معادلتها وإلى توازن فرضته المواجهة نفسها.
أما في الداخل اللبناني، فيبقى السؤال معلّقًا: ما هو دور الدولة في لحظة كهذه؟ فلو أنجزت السلطة أدوات فرض وقف النار، سحب العدو، إعادة الأسرى، وبدء الإعمار؟ لكنا وكان كل الشعب يؤيد قرارتكم.
أما إن يترك شعب ليقتل ويذبح ومهمتكم تكبيله
" تلك إذا قسمة ضيزى"
فهل نحن أمام تثبيت معادلة ردع جديدة ومرحلة مفتوحة ستفرض إعادة رسم موقع لبنان في هذا الصراع؟