أيُّ منطقٍ سياسي هذا؟ وأيُّ قراءةٍ للواقع يُراد للبنانيين أن يقتنعوا بها؟
يقول رئيس الحكومة نواف سلام إنّ لبنان يواجه «تصعيدًا إسرائيليًا خطيرًا وغير مسبوق»، ثم يُتبع ذلك بالقول إنّ حكومته قرّرت الذهاب إلى المفاوضات باعتبارها «الخيار الأنسب والطريق الأقل كلفة».
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يتحدّث رئيس حكومة يفترض أنّه يتابع يوميًا تفاصيل الحرب والعدوان، أم أنّه يقدّم توصيفًا سياسيًا متأخرًا لوقائع يعرفها اللبنانيون منذ سنوات، ويعيشون آثارها الميدانية منذ أشهر طويلة؟
فما الذي أضافه هذا التوصيف إلى المشهد؟ وما القيمة السياسية أو العملية لإعلان أنّ ما يجري «تصعيد غير مسبوق» بعد عشرات المجازر وآلاف الغارات وأشهرٍ من التدمير المنهجي؟ أليس أبناء الجنوب والبقاع والضاحية هم أول من اكتشفوا هذه الحقيقة تحت الركام والنار والدم؟ وهل كان اللبنانيون ينتظرون بعد كل هذا الزمن خطابًا رسميًا ليُبلغهم بما يعيشونه يوميًا بأجسادهم ومنازلهم وأرزاقهم؟
الأكثر إثارةً للاستغراب ليس توصيف الواقع، بل الاستنتاج الذي بُني عليه. فكيف توصّل سلام إلى أنّ مواجهة هذا التصعيد غير المسبوق تكون عبر الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع العدو تحت عنوان أنّها «الخيار الأقل كلفة»؟
أيُّ كلفةٍ أقلّ يتحدّث عنها رئيس الحكومة؟ وهل يُقاس الأمر بعدد الغارات أم بحجم الدمار أم بمساحة الأراضي المحتلة أم بعدد الشهداء والجرحى والنازحين؟
إذا كان ما شهده لبنان حتى الآن من تدميرٍ واسع للجنوب والضاحية والبقاع، ومن توسيعٍ للاحتلال، ومن استباحةٍ يومية للسيادة، ومن عشرات الغارات والاعتداءات كل يوم، يُصنَّف في قاموس الحكومة ضمن «الخيار الأقل كلفة»، فمن حق اللبنانيين أن يتساءلوا بقلقٍ مشروع: ما هو إذًا الخيار الأكثر كلفة في نظر نواف سلام؟
إنّ وظيفة الدولة ليست الاكتفاء بتوصيف الكارثة بعد وقوعها، بل امتلاك رؤيةٍ سياسية واستراتيجية لحماية البلاد ووقف العدوان وفرض احترام السيادة. أما الاكتفاء بإعلان ما يعرفه الجميع، ثم تقديم التنازلات السياسية باعتبارها المخرج الوحيد، فهو لا يجيب عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها اللبنانيون اليوم، بل يفتح الباب أمام المزيد منها.
عباس المعلم - كاتب سياسي