تعمل الصين على تنفيذ مشروع هندسي بيئي واسع النطاق يعتمد على الطحالب الخضراء المزرقة المقاومة للجفاف من أجل تحويل الكثبان الرملية القاحلة إلى أراضٍ مستقرة وقابلة للاستصلاح، في خطوة تُعد من أكبر التجارب العالمية لاستخدام الكائنات الدقيقة في إعادة تشكيل البيئات الطبيعية.
مشروع هندسة بيئية غير مسبوق
يعمل باحثون صينيون على ما يُعرف بمشروع "التقشير الاصطناعي"، حيث يتم استخدام كميات هائلة من الطحالب الزرقاء-الخضراء لتثبيت الرمال المتحركة وتحويل الصحارى إلى مساحات مستقرة وفقا لصحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست (SCMP)،
ويُعد هذا المشروع الأول من نوعه عالميا الذي يتم فيه استخدام الكائنات الحية الدقيقة على هذا النطاق الواسع لإعادة تشكيل المناظر الطبيعية.
الطحالب الخضراء المزرقة : كائنات قديمة بحلول حديثة
الطحالب الزرقاء-الخضراء، أو السيانوبكتيريا، هي كائنات دقيقة تقوم بعملية التمثيل الضوئي، ويُعتقد أنها موجودة على كوكب الأرض منذ مليارات السنين. وتنتشر هذه الكائنات في مختلف البيئات، من المحيطات إلى التربة.
وقد جرى تطوير هذه التقنية المبتكرة المعروفة باسم "القشرة الحيوية" (Biocrust) في محطة أبحاث صحراء شابوتو التجريبية التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، بعد سنوات طويلة من الأبحاث في إقليم نينغشيا.
استصلاح آلاف الهكتارات خلال خمس سنوات
تتميز القشرة الحيوية المعتمدة على السيانوبكتيريا بقدرتها على تحمل رياح تصل سرعتها إلى 36 كيلومترا في الساعة.
ومن المقرر أن تُستخدم هذه التقنية لاستصلاح ما يصل إلى 6,667 هكتارا من الأراضي الصحراوية في نينغشيا خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة قد تشكل نموذجا عالميا لاستعادة الصحارى والتخفيف من آثار التغير المناخي.
لماذا يُعد استصلاح الصحارى مهمة صعبة؟
تُعتبر الصحارى من أصعب البيئات التي يمكن استصلاحها، إذ لا تستطيع معظم النباتات العيش في الرمال المتحركة والخشنة.
لكن الباحثين في محطة الأبحاث بنينغشيا توصلوا إلى حل مبتكر يتمثل في "لصق" أرض الصحراء باستخدام سلالات مختارة بعناية من السيانوبكتيريا.
ووفقا لتقرير SCMP، يؤدي هذا الأسلوب إلى تكوين ما يُعرف بـ "الجلد البيئي".
قشرة حيوية توقف زحف الرمال
تستطيع هذه الكائنات الدقيقة:
تحمّل درجات حرارة شديدة الارتفاع
البقاء في ظروف جفاف قاسية لسنوات طويلة
وعند تعرضها حتى لكميات ضئيلة من الأمطار، تنشط السيانوبكتيريا بسرعة وتتكاثر، مفرزة مادة حيوية غنية تعمل على ربط حبيبات الرمل معًا.
وتُسهم هذه القشرة الحيوية في:
تثبيت الكثبان الرملية المتحركة
تكوين تربة غنية بالعناصر الغذائية
تهيئة بيئة مناسبة لنمو النباتات تدريجيا
وفي الطبيعة، يستغرق تكوّن قشرة صحراوية مستقرة ما بين 5 إلى 10 سنوات، بينما تقلص هذه التقنية المدة إلى عام واحد فقط.
طريقة البذور الصلبة المبتكرة
لم تُطوَّر هذه التقنية دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة تجارب متكررة، في البداية، حاول العلماء رش الطحالب بشكل سائل، لكن هذه الطريقة تطلبت بنية تحتية ثقيلة وغير عملية.
بعد فحص أكثر من 300 نوع من السيانوبكتيريا، تم اختيار سبع سلالات رئيسية لتكون أساس المشروع.
وتم خلط هذه السلالات مع مواد عضوية لتشكيل عجينة غنية بالمغذيات، ثم صبها في قوالب سداسية الشكل.
والنتيجة هي ما يُعرف بـ "البذور الصلبة"، وهي كتل محمولة صُممت لتحمل النقل إلى عمق الصحراء والازدهار فور وصولها.
من المختبر إلى التطبيق الميداني
عند توزيع هذه الكتل في الأراضي الجافة، تبقى خاملة إلى أن تهطل الأمطار، وعندها تبدأ بالنمو بسرعة، لتُحكم ترابط الرمال وتشكّل قشرة واقية ومتينة.
ولم تعد هذه التقنية مجرد تجربة مخبرية، إذ تستعد منطقة نينغشيا لتطبيقها على أكثر من 6,000 هكتار من الصحراء خلال السنوات المقبلة.
جزء من مشروع الجدار الأخضر العظيم
يأتي هذا المشروع ضمن مبادرة الصين الطموحة المعروفة باسم "الجدار الأخضر العظيم"، الهادفة إلى مكافحة التصحر.
وعلى عكس الأساليب التقليدية التي تركز فقط على زراعة الأشجار، يعالج هذا المشروع السبب الجذري للتصحر، وهو حركة الرمال المستمرة.
وقد بدأت الصين بالفعل بتوسيع هذه الاستراتيجيات لتشمل مناطق أخرى مثل إفريقيا ومنغوليا.
إنجازات متواصلة في مكافحة التصحر
ومع الانتهاء مؤخرا من إنشاء حزام ضخم لمكافحة الرمال بطول 1,856 كيلومترا في منغوليا الداخلية، تواصل الصين تطوير تقنيات أساسية لتحقيق هدفها طويل الأمد المتمثل في وقف التصحر واستعادة الأراضي الجافة على نطاق عالمي.