‏العالم حاليا يعيش في حقبة أشبه بالتي كان يعيشها العالم في القرن 19
مقالات
‏العالم حاليا يعيش في حقبة أشبه بالتي كان يعيشها العالم في القرن 19
سامح عسكر
5 كانون الثاني 2026 , 12:02 م

كتب سامح عسكر,,

يوجد شيوع للمادية الاستهلاكية وصعود السلطوية، بينما في المقابل يوجد اختفاء عملي لقيم حقوق الإنسان، وغابت أسئلة العدالة والحق الطبيعي والمكتسب، ولم تعد رائجة سوى في الشعارات والمتاجرة لأغراض سياسية فقط.

وهذا الذي حذر منه العرفاء والمصلحون منذ عقود بأن تسييس حقوق الإنسان يعني عودة لما كان عليه العالم في عصر الاستعمار

حروب أمريكا وإسرائيل تسببت في نشر هذه المادية الاستهلاكية، وهم يقومون بنفس الدور الذي كانت تقوم به بريطانيا وفرنسا في القرن 19 مع اختلاف بسيط وهو الارتباط الديني بين الدولتين وعدم وجود صراع فعلى، بينما بريطانيا وفرنسا لم يكن بينهم أي ارتباط سياسي أو ديني سوى على مصالح استعمارية في وقت كان الصراع بينهما مشتعلا على المستعمرات.

وكذلك يقوم كل من فرنسا وبريطانيا بدعم النزعات الاستعمارية لأمريكا وإسرائيل وحمايتهما في الخلفية وكأنه دفاع عن ميراث استعماري قديم.

الغريب في هذه الأحداث التي نعيشها هو ظهور نزعات استعمارية عند بعض (الدول العربية الغنية) وهذا الذي كان يتنبأ ويحذر منه الفلاسفة، أن كثرة المال وفائض الإنتاج سوف يؤديان للبحث عن توسيع النفوذ كمصادر إنفاق ونشر الأيديولوجيا، وهو ما يعني أن بعض الدول التي سوف تصبح غنية ستتحول إلى استعمارية بالضرورة..

‏يمكن اعتبار ضعف الإسلام السياسي والجهاديين وانحسار السلفية الوهابية حاليا من تبعات صعود الثقافة المادية الاستهلاكية وما يرافقها من الفكر القومي.

في العادة عندما يصعد الفكر المادي ويهبط المثالي تختفي معه الأيديولوجيا وأوهام المدينة الفاضلة، وتنكشف كثير من أساطير الأديان والمعتقدات، وهذا الذي يحدث حاليا بالحرف.

في وقت تنكشف فيه تجارب الإسلام السياسي الدموية والفاشلة يصعد الفكر اللاديني وميول الشباب والأجيال الجديدة لتبني نسخة من التدين أكثر اعتدالا

ومعلومة هنا في السياق للتوضيح:

جماعات الإسلام السياسي كلها تندرج تحت باب الفكر المثالي، فهم يتوهمون إمكانية إنشاء دولة فاضلة تسمى عند السنة بدولة الشريعة والخلافة وعند الشيعة تسمى بدولة الإمام.

هذا الوهم وتلك الدول الدينية تختفي الآن وتنحسر وتزول شعبيتها بشكل متسارع.

أصحاب هذه الدول يعيشون في عالم افتراضي موازي ويخلقون عالما بديلا فاضلا للواقع المتأزم

ويمكن اعتبار أن صعود هذا الفكر الديني الوهمي لم يستفيد في حياته أكثر من استفادته بالحرب الباردة في القرن العشرين، التي تم تسويق تلك الحرب وقتها على أنها صراعا بين فاشلين وأنه آن الاوان لتجربة البديل الديني.

الآن ينكشف هذا الفكر على مستوى العالم ويتم وصمه بالفشل، حتى في أدبيات النخبة الدينية نفسها، حتى في التجارب الأخيرة لبعض جماعات العنف الطائفي مثل تنظيم القاعدة الذي اختار الحل المدني في سوريا مؤقتا كوسيلة للهروب من تبعات تطبيق هذا الوهم الديني.

وهذا في حد ذاته اعتراف عملي باستحالة تطبيق الدولة الدينية التي حلموا بها ودعوا إليها وروجوا لها ونشروا أدبياتها على الجماهير طيلة العقود الماضية