” بين جبروت القهر ووهج الحرية، يكتب التاريخ بعرق الإرادة، وتسقط العروش التي شيدت على الخوف، بينما تزدهر الحضارات التي نبتت من كرامة الشعوب."
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتقاطع فيه الأهواء، وتتعالى أصوات الهيمنة على كل صوت ضمير، تبدو مواقف طهران كمرآة تتلألأ فيها معالم الحق. ليست الكتابة عن هذا البلد مجرد تمرير، بل تبيان لمسار ثبات أمة لم تنحني أمام الغطرسة، ولم ترضى بالإبتزاز.
مسار يظهره التاريخ اليوم أكثر وضوحا مما كان عليه في الأمس. الغزارة في الكتابة عن مواقفها ليست كلام مجاملة، بل واجب كشف الحقائق بعين التحليل والمنطق. وإظهار أن الصمود ليس شعارا وإنما ممارسة حقيقية للأخلاق والسياسة والدفاع عن كرامة الشعوب.
حين ينظر إلى سجل هذا البلد، تتضح نية تجنب الصراعات، ليس خوفا من مواجهات، بل التزاما بتعاليم قائدها الأعلى، الذي وضع وصايا مرشدة للأمة من مبادئ الحق والرحمة والاعتدال، واحتراما للشعوب وللدول المجاورة، وفي الوقت نفسه، يلاحظ السعي الدؤوب لإحقاق الحقوق المشروعة للشعوب المظلومة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، مع الدفاع عن مصالح شعبها وأراضيها بكل حكمة وتوازن، بعيدا عن أية نزعة اعتداء أو توسع بل حماية وعمل لإحلال العدالة. إن الكتابة في هذا الإطار لا تقتصر على سرد الوقائع، بل هي شهادة تحليلية تبرز التباين بين العدوان الموجه والطموح المشروع، بين من يزرع الخوف ومن يزرع الإرادة، بين القوة المغتصبة والقوة التي تحمي حقوق شعبها وتدافع عن المستضعفين في كل الأرض. هنا تكمن جدوى إهتمامي، لفهم ما وراء أحداث الميدان ومواقف السيادة.
في هذا السياق أيضا تتضح الرؤية رؤيتها في إدارة الأزمات والصراعات الإقليمية: لا مبالغة في التهديد ولا انصياع للضغوط، بل حساب دقيق لكل خطوة سياسية وعسكرية، مع مراعاة النتائج على شعبها والأمم المجاورة. لقد جعلت طهران من الدبلوماسية أداة إستراتيجية متقدمة، ومن الحوار مع الجهات الدولية جسرا لحل النزاعات، مع الحفاظ على خطوط حمراء لايمكن المساس بها.
كما لم يغفل سجلها عن العمل الإنساني والمبادرات السلمية، إذ ظهرت الجهود المبذولة للتخفيف من معاناة الشعوب المتضررة، سواء عبر تقديم المساعدات أو عبر المواقف الرشيدة التي تمنع تفاقم الأزمات. هذه الممارسات لا تصدر عن قوة عشوائية، بل عن سياسة متزنة تجمع بين القوة والوعي الأخلاقي والإلتزام بالشرعية الدولية.
والأهم من ذلك، أن استمرار الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لم يكن مجرد شعارات، بل سلوك تواصل على الصعيدين السياسي والإعلامي والديبلوماسي، يظهر الالتزام بالقضية المحقة والقانونية العادلة ورفض كل محاولات التهميش أو التجاهل مع دعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. هذه المواقف تجسد فلسفة إستراتيجية متكاملة تقوم على التوازن بين القوة والحق، بين صون السيادة وحماية مصالح الشعوب، وتؤكد على أن المقاومة الأخلاقية والسياسية أقوى من أي عدوان.
هكذا يصبح السرد والتحليل حول مواقف هذا البلد أكثر من مجرد توثيق تاريخي؛ إنه درس في الصبر، في تقدير الثوابت، وفي قوة الإرادة الملتزمة بالحق.
أن العالم إذ يراقب هذه المواقف بعين التحليل لا بعين المجاملة، يلمس الفرق بين من يزرع الهيمنة والخوف، ومن يزرع الكرامة والإرادة.
وهذه الحقيقة، مهما حاول البعض تجاهلها أو قلبها، تبقى شاهدة على قدرة الأمة على الصمود، وعلى أن الدفاع عن الحقوق لا يحتاج للإعتداء، بل للإلتزام والمبدأ والحكمة.
كاتب سوري حر، مغترب.