الضاحية بين حياكة السجاد الاستراتيجية وطيش الكيان الصهيوني: من يدفع ثمن الحسابات المؤجلة؟
مقالات
الضاحية بين حياكة السجاد الاستراتيجية وطيش الكيان الصهيوني: من يدفع ثمن الحسابات المؤجلة؟
موسى عباس
15 حزيران 2026 , 10:41 ص

كتب: موسى عباس

لم يعد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مجرد حدث أمني عابر في سجل المواجهات المفتوحة؛ بل تحول إلى مؤشر استراتيجي يعكس تأزم المشهد الإقليمي. فبينما يرى الكيان الصهيوني في هذه الغارات محاولة لفرض معادلات ردع جديدة تكسر هيبة الضاحية، يقرأ المحللون المتابعون لهذه الحياكة السياسية المعقدة أبعاداً تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية لتصل إلى عمق طهران وواشنطن.

1. الكيان الصهيوني: مقامرة كسر الخطوط الحمراء

يسعى الكيان الصهيوني من خلال استباحة الضاحية إلى تحقيق هدفين متوازيين: أولهما محاولة لترميم صورة الردع التي تهشمت في جولات سابقة، وثانيهما استدراج المنطقة إلى مواجهة شاملة يراهن فيها على توريط الإدارة الأمريكية. إن هذا الطيش العسكري يكشف عن ارتباك داخلي، حيث يدرك الكيان أن قدرته على الاستمرار في سياسة الاستباحة دون مقابل أصبحت محدودة، وأن البنادق التي تدافع عن الضاحية لم تعد مجرد شعار، بل قوة فصل تفرض حسابات دقيقة على صانع القرار في تل أبيب.

2. المواقف اللبنانية: بين الانقسام والواقعية العاجزة:

في الداخل اللبناني، تتجلى بوضوح أزمة الخيارات. فمن جهة، يرتفع صوت شخصيات كـ نواف سلام ليدعو إلى العودة لمظلة الدولة المركزية واتفاق الطائف، معتبراً أن غياب السلطة الفعلية هو ما جعل لبنان ساحة مفتوحة للاستهداف. وفي المقابل، تبرز مواقف المسؤولين مثل يوسف رجي، الذي يُقرأ في أوساط المقاومة على أنه يتبنى نهجاً معادياً لها، وهو ما يعكس انقساماً حاداً في الرؤى الرسمية؛ حيث تكتفي أطراف في السلطة بالتنديد، مدركةً أن قرار الحرب والسلم خرج من أيدي مؤسسات الدولة التقليدية منذ زمن، تاركاً لبنان يواجه مصيره وسط أنوال إقليمية تتجاذبه دون رحمة.

3. الحياكة الإيرانية: الصبر الذي يسبق العاصفة:

تظل طهران اللاعب الأكثر ثباتاً في هذا المشهد. إن استراتيجيتها في حياكة السجاد -المليئة بالصبر والدقة- لا تعني أبداً التنازل. بالنسبة لإيران، الدفاع عن الحلفاء في لبنان هو غرزة أساسية في نسيج نفوذها الإقليمي؛ فالتخلي عن الحليف يعني فك السجادة بأكملها. ولذا، فإن عدم الرد الفوري لا يُقرأ في طهران كضعف، بل كإعداد لرد لا يهدف فقط إلى حفظ ماء الوجه، بل إلى إعادة ضبط القواعد التي يحاول الكيان الصهيوني العبث بها. إنها رسالة واضحة: إيران لا تفرط بحلفائها، والرد قادم، لكنه سيكون وفق توقيت يخدم مصلحة المحور ولا يمنح الخصوم فرصة الهروب من المأزق الذي صنعوه بأيديهم.

— استحقاق القوة والقرار:

إن لبنان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي؛ فبين محاولات الكيان الصهيوني لفرض هيمنته عبر الغارات، وصمود محور المقاومة في خياراته الاستراتيجية، تضيع سيادة الدولة وتستنزف قدراتها. إن الدرس المستخلص من كل غارة على الضاحية هو أن سياسة الانتظار لم تعد مجدية، وأن بنادق المقاومين هي الحكم والقوة الفصل في صراع لم يعد يترك للمساومات السياسية مكاناً.

لقد حذرنا مراراً: إن من يريد إفشال الاتفاقات الإقليمية هو السلطة التي تراهن على ضعف الجبهة الداخلية، ولكن الوقائع أثبتت أن المعادلة الحقيقية تُكتب في الميدان، حيث لا مكان للتراجع، وحيث يصبح الرد على الاعتداءات واجباً لا يقبل التأجيل أو التهاون.