عبد الحميد كناكري خوجة: طهران: انتصار وتحد...دون تجاوز أو تعد.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: طهران: انتصار وتحد...دون تجاوز أو تعد.

”من هندسة الصمود إلى معادلات الردع، حين تتهاوى رهانات الإكراه وتنتصر إرادة الاستقلال."

في حقبة تتشابك خلالها مشاريع الهيمنة مع خرائط النفوذ، وتتنازع فوق مسارحها حسابات السيطرة والاستتباع، برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفق رؤية سواد أعظم من مؤيدي مواقفها المشهود لها بالحنكة والحكمة، بوصفها تجربة سياسية واجهت حصارا وضغوطا وعقوبات متلاحقة دون التخلي عن مرتكزاتها السيادية. فبين مطارق الإبتزاز وسندان المواجهة حافظت على مسار قائم على التمسك بما يعتبر حقوق وطنية غير قابلة للمقايضة.

راهنت عواصم نافذة ومدعومة بمنظومات إعلامية واسعة، على أن يؤدي الاستنزاف المتواصل إلى إخضاع القرار الإيراني وإرغامه على تقديم تنازلات جوهرية. غير أن الوقائع أفرزت صورة مغايرة إذ أظهرت طهران قدرة على التكييف، وكفاءة عالية في إدارة التعقيدات، ومهارة في التعامل مع التحولات الجيوستراتيجية المتسارعة.

وبين منظور سيميولوجي، يمكن قراءة المشهد باعتباره انتقالا من موقع الاستهداف إلى فضاء التأثير، ومن دائرة الاحتواء إلى نطاق المبادرة. كما أن الخطاب الرسمي قدم التفاوض باعتباره أداة لحماية المصالح لا بوابة للتراجع، وآلية لمعالجة الخلافات لا جسرا للتفريط. وهكذا اقترنت مفاهيم الكرامة والاستقلال والعزة بحضور واضح داخل السردية السياسية السائدة.

وفي المقابل شهد الفضاء الإعلامي حملات مكثفة هدفت إلى النيل من سمعتها وتشويه صورتها الذهنية عبر روايات متباينة داخل العالم الإسلامي وخارجه وما زالت تنظر إلى هذه التجربة بوصفها نموذجا لرفض الإملاءات الخارجية والتمسك بحرية القرار.

ومع ذلك لم تؤدي الدبلوماسية إلى إهمال مقتضيات الحذر؛ فالإقليم يعج بالتحولات، والساحة الدولية لا تخلو من المفاجأة. لذلك تبقى عين تستشرف احتمالات الغدر، وأخرى تراقب مسارات التهدئة، فيما يظل الإصبع على الزناد رمزا للجاهزية الدفاعية وحارسا لمعادلات الردع. وتستند هذه المقاربة إلى قراءة دقيقة لموازين القوى وإدراك عميق لتعقيدات الجغرافيا السياسية.

وهكذا، بين ضجيج الدعاية وصخب الخصومات، تبقى الحقائق أكثر بلاغة من الشعارات، والوقائع أصدق من الانفعالات العابرة. فالأمم العظيمة لا توازن بما يقال عنها، وإنما بمقدار ما تصمد أمام العواصف، وما تحققه وسط المنعطفات الحادة. وعندما تفرغ المنابر من ضوضائها، وتتساقط المبالغات من فوق منصات السجال، لا يبقى سوى سجل الانجاز، وشهادة الزمن، وحكم التاريخ.

هناك تعرف قيمة المواقف؛ لا عند لحظة الهتاف، بل عند ساعة الامتحان. وهناك يتجلى الفارق بين من ينكسر تحت وطأة الإكراه، ومن يحول الضغوط إلى دوافع والعقبات إلى فرص، والتحديات إلى مسارات جديدة للفعل والتأثير. وعند تلك العتبة تحديدا، تكتب الصفحات الباقية في الذاكرة السياسية للأمم، لا بالمداد وحده، بل بالإرادة، والبصيرة والثبات، وحسن التدبير. فتليق التحية لبلاد الحضارة وشعبها التي صانت قرارها الوطني، وثبتت أمام الضغوط، مؤكدة أن الصمود المقترن بالحكمة يصنع احترام الخصوم قبل الأصدقاء.

كاتب دمشقي حر.