”صحوة فكرية شاملة تحصن العقول، وتعلي سلطان الحكمة، وتكشف زيف خطاب الغلو، الذي يخدم الأطماع والمخططات الإستعمارية.
تلك الصحوة الفكرية التي ترسخ حق الدول في حماية أمنها ومؤسساتها، وتجفيف منابع هذا الفكر العقيم الذي يستهدف مؤسسات الأوطان ويحولها إلى خراب. لابد من صون الأجيال من ثقافة التكفير الأعمى التي باتت تهدد الإنسان والعمران، وتغذي دوائر الفوضى والإنقسام."
ليست أخطر الحروب التي تدار بالسلاح وحده، بل التي تستهدف العقول قبل الحدود، والضمائر قبل الأجساد. فحين تختزل الرسالات السماوية في خطابات الإقصاء، ويستبدل منطق الرحمة بمنطق التكفير، يتحول الدين من منارة للهداية إلى وسيلة لتبرير العنف. والإسلام الحنيف في جوهره، دين يدعو إلى العدالة وصون النفس وعمارة الأرض، ويبرأ من كل تأويل يستبيح الدماء أو يزرع الفتنة. وقد أشار الحكماء إلى أن فساد العمران يبدأ عندما تتغلب العصبيات على الحكمة، وهي رؤية لا تزال صالحة لفهم كثير من مظاهر التطرف المعاصر. ومن هنا، فإن حسن التدبير يقتضي بناء وعي راسخ يحصن المجتمعات من الغلو، ويعيد الاعتبار للعقل والمعرفة وسيادة القانون. إن الفكر التكفيري لا يبني دولة، ولا يصنع حضارة، ولا يحفظ كرامة إنسان، بل يزدهر كلما غاب العلم، وضعفت البصيرة، وانحسر الحوار. فهو يحول الشباب إلى مسالك لا تورث إلا الخراب، وتدفع المجتمعات ثمنا باهضا من أمنها واستقرارها ووحدتها.
وتشير تجارب عديدة إلى أن جماعات متطرفة استغلت في بعض الصراعات الإقليمية والدولية، أو أسهمت أفعالها في تهيئة بيئات استغلتها قوى مختلفة لتعزيز مصالحها، الأمر الذي أفضى في حالات كثيرة إلى إضعاف الدول، وتعميق الانقسامات وإطالة أمد الأزمات. كما أن خطاب التكفير والتخوين قد يقوض الثقة بالمؤسسات الوطنية والعسكرية ويخلط بين المقاومة المشروعة ضد الإحتلال وبين الإرهاب المنبوذ من كافة الشرائع السماوية، بما يفتح المجال لسجالات تستغلها أطراف متنافسة سياسيا وإعلاميا.
ولذلك، فإن مسؤولية مواجهة التطرف لا تقع على عاتق المؤسسات الأمنية وحدها، بل هي مهمة الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ودور العبادة، والإعلام، والمثقفين، والفنانين الإصلاحيين. فالعقل المتسلح بالمعرفة أقل قابلية للإستدراج، والوعي النقدي. هو الحصن الأول في مواجهة دعاة الكراهية الذين يوظفون النصوص خارج سياقاتها، ويغذون الانقسام ويزرعون الشك والعداء بين أبناء المجتمع.
كما أن صيانة صورة الإسلام مسؤولية جماعية، إذ لا يجوز أن تختزل رسالة قامت على الرحمة والعدالة والاحسان في ممارسات جماعات تمارس العنف وتستهدف الأبرياء، وهذا ما فعله المستعمر مستغلا ورقة الدين لتدمير بلدان وتحطيم مؤسساتها العسكرية وبنيتها التحتية، وإرجاعها سنين طويلة إلى الوراء. ولنتذكر خطاب هيلاري كلينتون عندما أكدت أن هذه الجماعات ترعرعت في أحضان دوائر الاستخبارات الأمريكية والغربية.
إن حماية الدين تكون بإظهار مقاصده السامية، لا تبرير التجاوزات التي تسيء إليه وتغذي الصور النمطية عنه. إن حسن التدبير ليس شعارا يرفع، بل منهج يقوم على الحكمة، والعدالة، والعلم، وبناء الإنسان، وتجفيف منابع الغلو قبل أن تتحول إلى أفعال مدمرة. فكلما انتصر الوعي على التضليل، و الحوار على الإقصاء، والقانون على الفوضى، ازدادت المجتمعات قدرة على حماية أمنها ووحدتها ومستقبلها. وهكذا يبقى حسن التدبير هو الحصن الأمتن في وجه الإرهاب والتكفير، لأنه يجمع بين قوة الدولة ويقظة المجتمع، ونبل القيم التي جاء بها الإسلام، دين الرحمة والعدالة والعمران.
وليكن الشباب ولا سيما محدودو الوعي وقليلو الخبرة، على يقظة دائمة من شراك الاستدراج عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي؛ فكم من شعار براق، وخطاب متلفع برداء الدين وراءه دعاة غلو يستهدفون اصطياد العقول قبل الزج بأصحابها في دروب العنف والكراهية، حيث لا تكون الحصيلة إلا ضياع الإنسان، وتمزيق الأوطان وإذكاء الفتن التي لا تجني منها المجتمعات سوى الخراب والإنقسام. فكم من دعوات ادعت نصرة العقيدة، بينما انتهت إلى الخراب والدمار، واستنزاف الموارد وإذكاء الفتن، وتهيئة بيئات خارجية لخدمة مصالحها على حساب أمن الأمة ووحدتها ومستقبلها. وبكلمة أخيرة أذكر السادة القراء ومن خلال الحقائق الموثقة أن هذا الفكر المتأسلم المتطرف المنبوذ نشأ وترعرع برضا دوائر الاستخبارات الصهيو_غرب_أمبريالية بهدف ضرب استقرار الدول التي لا تقبل الخضوع لإملاءاتهم ولا مكان لكلمة إنبطاح وخنوع في قواميس هذا الدول الصامدة. وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي عانت من هذه القطعان الدموية الإرهابية الممهورة بأصابع استخبارات الدول الحاقدة على مواقف طهران. لعدم تفريط الأخيرة بمصالحها ومصالح شعبها وعدم قبولها الدوران حول كوكب الفساد والإفساد الإبستيني الطامع بالاستيلاء على موارد هذه الدول وإخضاعها وتركيعها وضرب استقرارها تمهيدا للإنقضاض عليها وسرقة ونهب خيراتها.
كاتب دمشق حر، فنان وطني شامل.