”ليست القيادة ادعاء، ولا العزة أمنية، ولا الكرامة شعارا؛ وإنما تقاس بما يثبته الواقع عند المحن، وما يشهد به التاريخ عند المنعطفات."
{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}.
تبنى مكانة الدول بميزان الأفعال قبل الأقوال، وتختبر السياسات في ساعات الشدائد لا في أزمنة الرخاء. ومنذ بروزها سنة 1979 أصبحت طهران طرفا حاضرا في معادلات الشرق الأوسط ومدارا لنقاشات سياسية واستراتيجية متواصلة. يتضح أن نهجها ارتكز على الاستقلال الوطني، ورفض الضغوط الخارجية، وإعلان التأييد للقضية المركزية التي تخلت عنها العديد من الأنظمة الرجعية، مع تحمل عقوبات وعزلة وضغوط سياسية واقتصادية امتدت لسنوات طويلة. وفي المقابل، يطرح بعض المنتقدون قراءات مختلفة نوعا ما لدورها الإقليمي بحسبهم، وهو ما يجعل تقييم تجربتها محل نقاش واسع.
خلال ما يقارب نصف قرن، واجهت عاصمة القرآن وتكريم آل بيت النبوة تحديات متعددة، شملت العقوبات، والتوترات الأمنية، والأزمات الاقتصادية، ومع ذلك حافظت على حضورها الإقليمي وطورت قدرات في مجال الدفاع والتكنولوجيا والبحث العلمي وفق ما تعلنه مؤسساتها الرسمية. ذلك يعكس صبرا وإصرارا على حماية سيادتها وخياراتها. وفي موازاة ذلك، أصبحت العديد من وسائل الإعلام ومنصات رقمية مأجورة، ساحة تنافس لا تقل تأثيرا عن ميادين السياسة، حيث تتقاطع السرديات، وتتعدد الروايات، وتستخدم أدوات القوة الناعمة والحرب المعلوماتية في تشكيل الرأي العام. ولهذا يبقى التحقق من المصادر، والتمييز بين الخبر والتحليل، ضرورة لكل قارئ وباحث.
كما أن أهم التحديات التي تواجه عالمينا العربي والإسلامي استمرار الانقسامات المذهبية والسياسية. وإن تجاوز الخلافات، وتقديم المصالح المشتركة، وتعزيز الحوار، كفيل بتقوية المجتمعات وصيانة الاستقرار. ومن المهم أيضا التفريق بين المقاومة القانونية المشروعة التي ينظمها القانون الدولي الإنساني في سياقات محددة، وبين الاعتداء على المدنيين أو أي أعمال عنف تخرج عن تلك الضوابط. ومثال على ذلك ما تفعله قوات الاحتلال الصهيوني بالشعب الفلسطيني خصيصا في قطاع غزة.
قال تعالى: { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم }.
إن نهضة الأمم لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالعلم، والوحدة، وتحقيق العدالة، واحترام الكرامة الإنسانية، وبناء مؤسسات قوية، وإدارة الخلاف بالحكمة. وستبقى تجارب الدول، ومنها تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية موضوعا للنقاش والتقييم وفق الوقائع والنتائج. أما المستقبل، فيصنعه تعاون الشعوب، وتغليب لغة الحوار، والعمل من أجل أمن المنطقة واستقرارها، بعيدا عن الفتن والإنقسامات التي يزرعها المستعمر في النفوس، والتي لا يجني منها أحد مكسبا دائما. وختاما، فإن الحكمة تقتضي أن تتوجه الطاقات نحو البناء بدل الهدم، وأن يكون الحوار سبيلا لتجاوز أي خلاف، وأن تتكاتف الشعوب والحكومات والجيوش في حماية الأوطان وصون المقدسات، بعيدا عن الفرقة والكراهية، امتثالا لقوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة}، فبالاتحاد تصان الكرامة، وبالتعاون تبنى الحضارات. وهذا ما نادى به فقيد الأمتين العربية والإسلامية السيد علي خامنئي ”ق"
كاتب دمشقي حر.