اكتشاف ألية استشعار الرحم لقوى الولادة وتنظيم الانقباضات
دراسات و أبحاث
اكتشاف ألية استشعار الرحم لقوى الولادة وتنظيم الانقباضات
5 كانون الثاني 2026 , 22:01 م

يقوم الرحم بانقباضات منتظمة ومتناسقة بدقة عند بدء المخاض لضمان ولادة آمنة. ورغم أن هرمونات مثل الأوكسيتوسين والبروجسترون معروفة بدورها الأساسي في هذه العملية، فإن العلماء لطالما اعتقدوا أن القوى الفيزيائية، مثل التمدد والضغط، تلعب دورا محوريا أيضا.

دراسة جديدة أجراها باحثون من معهد سكريبس للأبحاث (Scripps Research) ونُشرت في مجلة Science، توضح كيف يستشعر الرحم هذه القوى على المستوى الجزيئي، وتفسر أسباب تعثر المخاض أحيانا أو حدوث الولادة المبكرة.

حساسات ضغط جزيئية تنظم الانقباضات

يقول الدكتور آرديم باتابوتيان، الباحث الرئيسي في الدراسة والحاصل على جائزة نوبل في الطب لعام 2021:

“مع نمو الجنين، يتمدد الرحم بشكل كبير، وتبلغ القوى الفيزيائية ذروتها أثناء الولادة. وتُظهر دراستنا أن الجسم يعتمد على حساسات ضغط متخصصة لترجمة هذه الإشارات إلى نشاط عضلي منسق.”

وتتمثل هذه الحساسات في قنوات أيونية تُعرف باسم PIEZO1 وPIEZO2، وهي بروتينات تمكّن الخلايا من الاستجابة للقوى الميكانيكية مثل اللمس والضغط والتمدد.

دور مختلف لكل من PIEZO1 وPIEZO2

كشفت الدراسة أن كلا من PIEZO1 وPIEZO2 يؤدي وظيفة مختلفة لكنها متكاملة أثناء الولادة:

PIEZO1

يوجد بشكل أساسي في العضلات الملساء للرحم

يستشعر ازدياد الضغط مع قوة الانقباضات

PIEZO2

يوجد في الأعصاب الحسية في عنق الرحم والمهبل

يُنشط عند تمدد الأنسجة بسبب نزول الجنين

يعزز انقباضات الرحم عبر منعكس عصبي

ويعمل هذان المساران معا لتحويل الضغط والتمدد إلى إشارات كهربائية وكيميائية تنسق انقباضات الرحم، بحيث يمكن لأحدهما تعويض الآخر جزئيًا عند ضعف أحد المسارات.

تجارب على الفئران تؤكد التعاون بين العضلات والأعصاب

لاختبار هذه الآلية، استخدم الباحثون نماذج فئران حُذفت منها بروتينات PIEZO1 أو PIEZO2 بشكل انتقائي من:

عضلات الرحم

أو الأعصاب الحسية المحيطة بعنق الرحم والمهبل

وتم قياس قوة وتوقيت الانقباضات أثناء الولادة الطبيعية. وأظهرت النتائج أن الفئران التي افتقدت البروتينين معا عانت من:

ضعف ضغط انقباضات الرحم

تأخر واضح في عملية الولادة

مما يؤكد أن الاستشعار العضلي والعصبي يعملان معا، وأن فقدانهما معا يعرقل المخاض بشكل كبير.

بروتين Connexin 43 مفتاح التنسيق العضلي

أظهرت تجارب إضافية أن إشارات PIEZO تتحكم في إنتاج بروتين يُسمى Connexin 43، وهو مسؤول عن تكوين قنوات دقيقة تُعرف بـ “الوصلات الفجوية”، تتيح لخلايا العضلات الملساء الانقباض كوحدة واحدة.

عند غياب إشارات PIEZO:

ينخفض مستوى Connexin 43

يضعف التنسيق بين الخلايا العضلية

تفقد الانقباضات قوتها وانتظامها

أنسجة بشرية تؤكد النتائج

دعمت عينات من أنسجة الرحم البشري نتائج التجارب الحيوانية، حيث أظهرت أنماط تعبير مشابهة لبروتيني PIEZO1 وPIEZO2. ويشير ذلك إلى أن آلية استشعار القوى نفسها تعمل لدى البشر.

وقد يفسر هذا بعض مضاعفات الولادة، مثل:

ضعف الانقباضات

المخاض المطوّل

كما يتوافق مع الملاحظات السريرية التي تشير إلى أن التخدير الكامل للأعصاب الحسية قد يؤدي إلى إطالة مدة الولادة.

آفاق علاجية مستقبلية

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تطوير أساليب أكثر دقة لإدارة المخاض وتسكين الألم، مثل:

أدوية تقلل نشاط PIEZO1 لإبطاء الانقباضات في حالات الولادة المبكرة

مركبات تنشط قنوات PIEZO لتعزيز الانقباضات في حالات تعثر المخاض

ورغم أن هذه التطبيقات لا تزال في مراحلها البحثية، فإن النتائج تشكل أساسا علميا مهما لتحسين رعاية الأم أثناء الولادة.

تفاعل الحساسات الميكانيكية مع الهرمونات

يشير الباحثون إلى أن الحساسات الميكانيكية والهرمونات يعملان كنظام واحد متكامل:

البروجسترون يحافظ على ارتخاء الرحم أثناء الحمل

قرب موعد الولادة، ينخفض مستواه

تسمح إشارات PIEZO عندها ببدء سلسلة الأحداث البيولوجية المؤدية إلى المخاض.

المصدر: Scripps Research Institute