كشفت دراسة علمية حديثة أن بعض البروتينات الحيوية داخل الخلايا تخوض ما يشبه سباق تسلح تطوريا مستمرا داخل الجينوم نفسه، رغم أن وظيفتها الأساسية تظل ثابتة ولا تتغير.
وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على ذباب الفاكهة، أن هذا الصراع الداخلي قد يكون المحرك وراء التطور السريع لبروتينات تؤدي دورا جوهريا في حماية نهايات الكروموسومات.
فرضية «الملكة الحمراء» داخل الجينوم
في رواية عبر المرآة للكاتب لويس كارول، تجد أليس نفسها عالقة في سباق لا ينتهي مع الملكة الحمراء، حيث تركض باستمرار دون أن تتقدم خطوة واحدة. وتقول لها الملكة: «يجب أن تركضي بكل ما لديكِ فقط لتبقي في المكان نفسه».
يُستخدم هذا التشبيه عادة لوصف سباقات التسلح التطورية بين الكائنات الحية والطفيليات أو مسببات الأمراض، لكن الباحثة ميا ليفين من جامعة بنسلفانيا توضح أن ما يُعرف بـ فرضية الملكة الحمراء ينطبق أيضا على الصراعات المستمرة داخل الجينوم نفسه.
عندما يتصرف الحمض النووي بأنانية
تشير الدراسة إلى أن بعض مناطق الحمض النووي تتصرف بطريقة يصفها العلماء بـ«الأنانية». فعلى سبيل المثال، تمتلك العناصر الجينية المتحركة القدرة على تغيير مواقعها داخل الجينوم، إما عن طريق نسخ نفسها أو قطع أجزاء منها وإدخالها في مواضع جديدة.
وقد يؤدي هذا السلوك إلى تعطيل الجينات أو التسلسلات الوراثية المسؤولة عن وظائف حيوية مهمة.
ولمواجهة هذه التهديدات، تعتمد الخلايا على آليات دفاع جزيئية قادرة على التعرف على هذه العناصر، وإسكاتها، أو منعها جسديا من إحداث الضرر.
يطرح هذا الصراع الداخلي سؤالا علميا طويل الأمد:
كيف يمكن للعمليات البيولوجية الأكثر استقرارا وأهمية أن تعتمد على بروتينات مضطرة للتغير باستمرار من أجل الدفاع عن نفسها؟
حماية نهايات الكروموسومات
في هذه الدراسة، أوضحت ميا ليفين وزملاؤها كيف يتعامل زوج من البروتينات الأساسية مع هذا التحدي.
ركز الفريق على جينات ذباب الفاكهة (Drosophila melanogaster) المسؤولة عن تكوين التيلوميرات، وهي الأغطية الواقية الموجودة في نهايات الكروموسومات، وتشبهها ليفين بالأطراف البلاستيكية التي تحمي نهايات أربطة الأحذية.
نتائج الدراسة: وظيفة ثابتة وبروتينات متغيرة
أظهرت النتائج، التي نُشرت في مجلة Science، أن وظيفة هذه البروتينات — وهي حماية نهايات الكروموسومات — تظل ثابتة، بينما تتغير بنيتها باستمرار لمواجهة العناصر الجينية الأنانية.
ولمنع التحام نهايات الكروموسومات ببعضها، وهو ما قد يؤدي إلى عدم استقرار وراثي، ومشاكل في الخصوبة، وحتى موت الخلايا أو الكائن الحي، تتجمع ستة بروتينات لتكوين مركّب وقائي يرتبط بالحمض النووي في مناطق التيلوميرات.
بروتينات تحت ضغط تطوري مستمر
اكتشف الباحثون أن اثنين من هذه البروتينات، وهما HipHop وشريكه HOAP، يتطوران بسرعة أكبر بكثير من بقية مكونات المركّب، ورغم ذلك لا غنى عنهما لحماية التيلوميرات.
وقالت ليفين:
«تقدم هذه الدراسة أول لمحة عن بيولوجيا مذهلة يحافظ عليها مركّب بروتيني أساسي، رغم أن وحداته الفرعية تخضع لضغط تطوري قوي يدفعها إلى التغير المستمر».
تجربة حاسمة باستخدام التعديل الجيني
لاختبار ما إذا كان على هذه البروتينات أن تتطور معا للحفاظ على تكامل المركّب، استخدم الفريق أدوات التعديل الجيني لاستبدال بروتين HipHop في ذباب D. melanogaster بنسخته من نوع قريب هو Drosophila yakuba.
وكانت النتيجة لافتة:
الذباب المعدل وراثيا لم ينجُ، حيث أظهرت خلاياه التحاما واسع النطاق بين نهايات الكروموسومات.
استعادة الوظيفة بعد تعديلات دقيقة
وعندما أعاد الباحثون ستة أحماض أمينية فقط — وهي الوحدات البنائية للبروتينات — في بروتين HipHop من نوع D. yakuba إلى نظيرتها في D. melanogaster، أو عند إدخال نسخة D. yakuba من بروتين HOAP، عادت قدرة البروتينات على الارتباط، واستعادت التيلوميرات حمايتها، ونجا الذباب.
تطور متزامن لمواجهة التهديدات الداخلية
توضح ليفين أن بروتين HOAP، أثناء تطوره لإسكات الأعداء الجينيين الداخليين، يجبر بروتين HipHop على التطور بالتوازي معه للحفاظ على التفاعل الوظيفي بينهما.
ولا يزال من غير المعروف بشكل كامل كيف تقوم العناصر الجينية الأنانية بمهاجمة هذه البروتينات، إلا أن وجود أنماط تطورية مشابهة في الرئيسيات يشير إلى أن هذا النوع من التطور التعويضي قد يكون واسع الانتشار.
أهمية أوسع لفهم تطور الجينوم
تؤكد الدراسة أن فهم هذه الآليات قد يوضح كيف يتمكن الجينوم من الحفاظ على وظائف بيولوجية قديمة وأساسية، مع الاستمرار في التكيف مع تهديدات داخلية متغيرة باستمرار.
وتمثل هذه النتائج خطوة مهمة لفهم التوازن الدقيق بين الثبات الوظيفي والمرونة التطورية في الأنظمة البيولوجية المعقدة.