إيران في مرمى إعادة التشكيل: مواجهة الكسر دون هزيمة..!؟
مقالات
إيران في مرمى إعادة التشكيل: مواجهة الكسر دون هزيمة..!؟
عباس المعلم
6 كانون الثاني 2026 , 05:03 ص


بقلم ( عباس المعلم)

لم تعد إيران مجرّد بندٍ على جدول الاستهداف الأمريكي–الإسرائيلي، ولا ملفًا قابلًا للإدارة عبر الضغوط والعقوبات والتهديدات المتدرّجة. نحن أمام مواجهة خرجت من طور الاحتواء إلى منطق الكسر المحسوب، ومن سياسة الإنهـاك الطويل إلى مشروع الصدام المفتوح وإعادة التموضع. فكلّ الأنظار المتجهة اليوم إلى طهران لا تعبّر عن قلقٍ عابر، بل عن إدراكٍ متزايد بأن الجمهورية الإسلامية باتت عقدة جيوسياسية صلبة في قلب الصراع على شكل الإقليم ومستقبل النظام الدولي.

لقد فرضت إيران، رغم اختلال موازين القوى، معادلة نديّة فعلية في مواجهة الولايات المتحدة عالميًا، وإسرائيل إقليميًا، ومع منظومة من الأنظمة والجماعات الوظيفية التي تتحرّك ضمن المدار الأمريكي هدفًا واستراتيجيةً وأداة. وما يُسوَّق من عناوين عن جبهات وملفّات وخلافات فرعية ليس سوى ستارٍ دخاني يخفي جوهر الصراع الحقيقي: إسرائيل تريد تفوّقًا مطلقًا بلا كلفة، وأمريكا تريد عالمًا مُطواعًا تُمسك بمفاصله من الطاقة إلى التكنولوجيا، ومن الأمن إلى الاقتصاد.

من هذا المنطلق، فإنّ الحرب المحتملة على إيران لا يمكن قراءتها كامتدادٍ تلقائي لسياسة العقوبات أو الضغوط المركّبة، بل كقطيعةٍ معها. إنها مواجهة تهدف إلى اختبار قدرة النظام الإيراني على الصمود وإعادة التموضع، لا إلى تعديل سلوكه فقط. المطلوب إيران مضبوطة السقف، محدودة الهامش، غير قادرة على إنتاج تهديد استراتيجي فعّال لإسرائيل، لا الآن ولا في المدى المنظور.

تواجه طهران هذا الاستحقاق وهي شبه وحيدة في ميدان دولي بالغ القسوة. أوروبا تحوّلت إلى كيان مترهّل، تابع وظيفيًا للقرار الأمريكي، غائب الإرادة، حاضر البيانات. وروسيا غارقة في مربّع الحرب الأوكرانية، مكبّلة الحركة، محدودة النفوذ خارج فضائها المباشر. أمّا الصين، فتفضّل سياسة الانتظار البارد، شراء الوقت، ومراقبة الاشتباك من مسافة محسوبة، على أمل احتواء الاندفاعة الأمريكية أو تدويرها بما يحفظ لبكين توازنها الاقتصادي وإمبراطوريتها الصناعية.

حتى حلفاء إيران في الإقليم، رغم قدرتهم على الإزعاج وخلط الأوراق، غير قادرين – موضوعيًا – على توفير مظلّة ردع حاسمة أو خوض مواجهة مباشرة شاملة، ما يجعل إيران أمام واقع أقرب إلى صدام دولي مركّب، تُستخدم فيه أدوات متعددة، ويُدار بلا أقنعة، ويُخاض من دون شبكة أمان تحالفية صلبة.

ومع ذلك، فإنّ الرهان على سقوطٍ سريع أو انهيارٍ دراماتيكي يبقى رهانًا متسرّعًا. فإيران ليست دولة هشّة ولا نظامًا بلا أدوات. هي قادرة، إذا فُرضت المواجهة، على إلحاق أذى بالغ، وربما غير مسبوق، بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وعلى توسيع دائرة الكلفة إلى مستويات تتجاوز الحسابات التقليدية. غير أنّ هذه القدرة، مهما بلغت، لا تعني بالضرورة خروجها من الصدام كما دخلته.

الأرجح أنّنا سنكون أمام إيران ما بعد المواجهة: كيان سياسي مُعاد التشكيل بفعل الصدام لا بانكسارٍ كامل ولا بانتصارٍ صافٍ، مُنطلق من بنيته الحالية لكن بعد اختبارات قاسية أعادت ترتيب الأولويات وحدود القوة. ليست المسألة تفكيكًا للنظام ولا إعادة إنتاجٍ وفق إرادة خارجية خالصة، بل إعادة تموضع تفرضها موازين القوى المتحوّلة، ووقائع الميدان، وحدود القدرة لدى جميع الأطراف. وهنا لا تكمن خطورة اللحظة في الحرب بذاتها، بل في اليوم التالي لها؛ في ملامح إيران المقبلة، في دورها ووظيفتها، وفي موقعها داخل نظام دولي يتآكل فيه القديم ولم تستقر بعد معالم الجديد، حيث لا منتصرين مطلقين ولا مهزومين نهائيين، بل خرائط تُعاد رسمها على إيقاع القوة والصبر والنَفَس الطويل.

عباس المعلم - كاتب سياسي