حرب بلا حرب ..؟!
مقالات
حرب بلا حرب ..؟!
عباس المعلم
8 كانون الثاني 2026 , 16:52 م


بقلم ( عباس المعلم )

ليست الحرب دائمًا مشهدًا مكتمل الأركان من نار ودمار ؟ أحيانًا تكون أكثر قسوة حين تُدار بلا ضجيج، وتُفرض بلا إعلان، وتُمارس كروتين يومي ينهش أعصاب الناس ببطء. هذا هو واقع “الحرب بلا حرب” الذي نعيشه اليوم ؟ لا مواجهة شاملة تُنهي الانتظار، ولا اماناً يمنح الطمأنينة، بل حالة مزمنة من الترقب تُحوِّل الحياة إلى اختبار أعصاب مفتوح.

هذا الواقع ليس هاجسًا نفسيًا ولا تضخيماً إعلاميًا، بل نتيجة مباشرة لسياسة عدوانية ممنهجة. خروقات لا تتوقف برًّا وبحرًا وجوًّا، تهديدات تُطلق بلا حساب، وخطاب متعالٍ يتعامل مع مجتمعات كاملة بوصفها ساحة ضغط لا بشراً لهم حق الحياة. في ظل هذا المشهد، يُطلب من المواطن أن يواصل يومه وكأن شيئًا لا يحدث، فيما كل شيء من حوله يقول إن الخطر قائم ومفتوح على كل الاحتمالات.

العيش تحت هذا السقف المنخفض من الأمان هو بحد ذاته شكل فادح من أشكال الحرب ،، فمع انتقال القلق من شعور فردي إلى حالة جماعية، تتحول الحياة إلى مساحة محكومة بالحد الأدنى ؟ حدّ أدنى من التخطيط، وحدّ أدنى من الفرح، وحدّ أدنى من الأمل. يصبح الإنسان حذرًا حتى في أحلامه، مترددًا في قراراته، مثقلاً بإحساس دائم بأن أي بناء قد ينهار فجأة.

في هذا النوع من الصراع، لا يحتاج العدو إلى حرب شاملة ليحقق أهدافه. يكفيه أن يُبقي المجتمع في حالة إنهاك نفسي دائم ،، إنها حرب تستنزف الإرادة، وتُربك الوعي، وتُضعف الثقة بالزمن الآتي ،، سياسيًا، تُستخدم هذه الحالة لفرض الوقائع وتأجيل الاستحقاقات وابتزاز الداخل والخارج. عسكريًا، تُستثمر التهديدات بوصفها سلاحًا بحد ذاته، يُراد له أن يسبق الفعل وأن يُغني عنه.

أما المواطن، فهو الخسارة الصامتة في هذه المعادلة ؟ لا يُقصف بيته كل يوم، لكن يُقصف شعوره بالأمان ، لا يُهجّر قسرًا، لكن يُهجّر نفسيًا من استقراره الداخلي ، يظهر ذلك في الإرهاق العام، في حدّة الأعصاب، في التوتر داخل البيوت، وفي الإحساس الثقيل بأن الحياة معلّقة على قرار لا يملكه ،، هذه ليست تفاصيل هامشية، بل آثار عميقة لحرب تُدار على مستوى النفس.

في ظل هذا الاختلال في موازين القوة، تبدو خيارات الردع المادي محدودة، إن لم تكن مقيدة شبه كامل ،لكن العجز الحالي عن خوض مواجهة شاملة لا يعني التسليم الكامل هنا تبرز المواجهة النفسية بوصفها خط الدفاع الأخير، وربما الأكثر خطورة على العدو إن أُحسن إدارتها.

الصمود هنا لا يعني الصبر السلبي ولا التعايش مع الخوف، بل يعني رفض تحوّل القلق إلى قدر ،، يعني أن يصرّ الناس على الحياة لا بوصفها غفلة، بل بوصفها موقفًا ، أن يعملوا، ويبنون، ويخططوا، ويتشبثوا بتفاصيلهم اليومية، كفعل مقاومة في وجه مشروع يستهدف تفريغ الحياة من معناها.

عندما يصبح الوعي درعًا، ويغدو الصمود ممارسةً يومية، تتراجع فاعلية الحرب النفسية ،، فالخوف الذي يُدار بعقلانية يفقد قدرته على الشلل، والقلق الذي يُفهم سياقه يتحول إلى يقظة لا إلى انهيار ،، هنا، يتحول الوجدان الجمعي إلى قوة تماسك، لا إلى ساحة تفكك.

المطلوب اليوم ليس خطاب تهدئة زائف، ولا تهويلًا مجانيًا، بل مصارحة قاسية مع الواقع ؟ إدراك حجم الخطر من دون تضخيمه، والاعتراف بثقل التهديد من دون الارتهان له، على قاعدة حكمة الامام علي ع التي تختصر فلسفة الصمود الإنساني «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» لا كدعوة أخلاقية مجردة، بل كمنهج حياة في زمن اللايقين.

في الخلاصة، “الحرب بلا حرب” ليست مرحلة عابرة، بل استراتيجية طويلة النفس تستهدف كسر الإنسان قبل كسر الجبهة ! ومواجهتها لا تبدأ من الميدان فقط، بل من العقل والوجدان ،، هناك، حيث يفشل العدو في تطبيع الخوف، وحيث يتحول الصمود من ردّ فعل إلى خيار واعٍ، تسقط أخطر أدوات هذه الحرب، ويبقى الإنسان واقفًا، رغم كل شيء..

عباس المعلم - كاتب سياسي

الأكثر قراءة حرامية النفط وقراصنة البحار الجدد
حرامية النفط وقراصنة البحار الجدد
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً