عبد الحميد كناكري خوجة: حكومة الطاغوت الأكبر...حضارة أم حقارة?!
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: حكومة الطاغوت الأكبر...حضارة أم حقارة?!
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
7 كانون الثاني 2026 , 07:01 ص


منذ نشأتها على جثة الإنسان الأصلي, لم تؤسس الولايات المتحدة كفكرة أخلاقية، بل ككيان توسعي، جينالوجيته الغزو و ميتافيزيقيته التهديد بالقوة، و سيميولوجيته القناع. فمن إبادة الهنود الحمر، إلى تشريع العبودية. إلى عسكرة الإقتصاد، تشكلت ”الدولة" لا كحاضنة قيم، بل كآلة نهب تتقن تسويق الرزيلة بوصفها فضيلة، والعدوان بوصفه رسالة خلاص.

رفعت واشنطن راية ”الحرية" وهي تدير انقلابات امريكا الاتينية من الخلف. وتحاصر كوبا حتى التجويع، وتغتال السيادة في تشيلي، وغواتيمالا ونيكاراغوا. ثم جاءت إلى منطقتنا، فدمرت العراق بذريعة سلاح محرم، وكذلك فعلت بليبيا وأغرقت أفغانستان في فوضى باسم محاربة الإرهاب، ووفرت للكيان المحتل النازي الغاصب مظلة إجرامية مفتوحة لقتل فلسطين، حجرا وبشرا وتاريخا. أما فنزويلا، فذنبها أنها تنام على بحر نفط ولم تسلم مفاتيحه، وأما إيران، فخطيرتها أنها قررت أن تكون دولة، لا شركة. هنا يتحول الحصار إلى سلاح. و الإعلام إلى مدفع، والإحتجاج _ وهو حق مشروع _ إلى مسرح اختراق تدار مشاهده من غرف مظلمة، حيث يدس ”المندسون من أزلام الموساد وغيرهم من بعض الخلايا الداخلية الناشطة" بين الناس الشرفاء المعبرين عن رأيهم بطرق حضارية متمدنة تندرج تحت بنود القانون حرصا على أمن البلاد المستهدف خارجيا. وتزرع الفتنة تحت لافتة الإصلاح.

تصريحات وزير الخارجية الأمريكية ”مايك بومبيو" الإستفزازية الأخيرة، لم تكن تهنئة موسمية، للشعب الإيراني، بل إيماءة، إستخباراتية بلغة ناعمة، وتهديدات دونالد ترامب المتهورة المزعومة ب التدخل لحماية المتظاهرين لم تكن حماية، بل ابتزازا فجا. هكذا تدار الحرب الهجينة: تجويع اقتصادي، تشويش إدراكي، ثم تلويح بالقوة تحت شعار ” الإنقاذ" لكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست ساحة مفتوحة لتجارب الهيمنة، ولا موضوعا في سياسة قوى الإستكبار والتوسع والسطو، بل دولة راكمت وعي السيادة، فتعلمت قراءة اللعبة قبل أن تفرض عليها قواعدها.

كما أنها ليست كيانا يعاد تشكيله من الخارج. إنها دولة خبرت الحصار، وفهمت وشعبها العظيم اللعبة الشيطانية الخبيثة وراكمت وعيا سياديا. إن تماسك الجبهة الداخلية، والإلتفاف حول القيادة والمؤسسات الدستورية، ودعم قانون التعبئة الوطنية، ليس قمعا كما يروج من منصات ومنابر معادية، بل خيار دفاعي عقلاني في مواجهة مشروع يريد إعادة الشعوب إلى زمن الوصاية، والثروات إلى دفاتر النهب.

كما أن إيران ليست وحدها. من كاركاس إلى صنعاء، ومن بيروت إلى موسكو وبكين وغيرها من دول أخرى يتشكل محور يرفض أن يدار بالريموت كونترول. محور الصمود والتصدي، في مواجهة محور الهيمنة والتوسع والسطو والنهب.

حين تعري الوقائع الأقنعة، يسقط السؤال الأخلاقي مدويا أهذه حضارة تبنى على جماجم الشعوب، أم حقارة سياسية بلغت ذروة التوحش؟ والتاريخ لايرحم.

مفكر كاتب حر، محلل سياسي وإعلامي سابق في الغربة.