مضيق هرمز … شريان العالم بين الجغرافيا والنار
مقالات
مضيق هرمز … شريان العالم بين الجغرافيا والنار
وائل المولى
19 آذار 2026 , 05:29 ص

في لحظةٍ تتقاطع فيها الجغرافيا مع الحرب، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك مفتوحة تعكس هشاشة النظام العالمي. ومع اندلاع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، واسرائيل بات المضيق شبه مغلق، فيما تتعرض السفن العابرة لتهديدات مباشرة وقصف متكرر، ما أدخل العالم في مرحلة جديدة من القلق الجيوسياسي والاقتصادي.

يقع المضيق بين إيران وسلطنة عُمان، ويشكّل المنفذ البحري الوحيد لدول الخليج نحو العالم. هذه الحقيقة الجغرافية جعلت منه، على مدى عقود، شريان الطاقة العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط، إضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي، خصوصاً من قطر.

لكن ما تكشفه الحرب الحالية يتجاوز النفط والغاز. فمضيق هرمز ليس مجرد نقطة اختناق للطاقة، بل هو أيضاً شريان خفي للأمن الغذائي العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة الأسمدة البحرية في العالم، وهو رقم كفيل بتحويل أي اضطراب فيه إلى أزمة زراعية عالمية.

تنتج دول الخليج ما بين 43% و49% من صادرات اليوريا العالمية، ونحو 30% من صادرات الأمونيا، كما تشحن المنطقة حوالي 44% من الكبريت المنقول بحراً، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة. وتعتمد هذه المنتجات، خاصة النيتروجينية منها، على الغاز الطبيعي منخفض التكلفة في الخليج، ما يجعل صادراتها من قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران مرتبطة بشكل شبه كامل بأمن الملاحة عبر المضيق.

اليوم، ومع تصاعد التوترات، بدأت التأثيرات تظهر بوضوح. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 30% خلال فترة قصيرة، فيما علقت سفن محملة بشحنات حيوية في موانئ الخليج، وتعطلت سلاسل التوريد الزراعية. هذا الاضطراب لا يهدد التجارة فحسب، بل يضرب مباشرة مواسم الزراعة، خاصة مع تعطل زراعة الربيع في عدة مناطق حول العالم.

تمتد تداعيات هذه الأزمة عبر قارات متعددة. في جنوب آسيا، تواجه الهند وباكستان وبنغلاديش ارتفاعاً حاداً في الأسعار ونقصاً في الغاز يؤثر على إنتاج الأسمدة محلياً. وفي البرازيل، تهدد التكاليف المرتفعة إنتاج فول الصويا، أحد أهم المحاصيل العالمية. أما الصين ودول جنوب شرق آسيا، فتواجه موجة تضخم حادة في أسعار المدخلات الزراعية، في حين تقف أجزاء من أفريقيا على حافة أزمة غذائية حقيقية نتيجة نقص الإمدادات.

في المقابل، تحاول الولايات المتحدة تشكيل حشد دولي لحماية الملاحة في المضيق، إلا أن هذه الجهود لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن، في ظل تصاعد المخاطر وصعوبة تأمين ممر مائي بهذا الحجم من التعقيد والتوتر.

هكذا، لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة ضغط في سوق الطاقة، بل تحوّل إلى مفصل حاسم في معادلة البقاء العالمي. فإغلاقه أو تعطيله لفترة طويلة لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل قد يقود إلى أزمة غذاء عالمية، مع تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء ونقص المحاصيل الأساسية.

في الخلاصة، يكشف ما يجري اليوم حقيقة أعمق: أن أمن العالم لم يعد مرتبطاً بالنفط وحده، بل أيضاً بالأسمدة والغذاء. ومضيق هرمز، الذي كان يُنظر إليه كعنق زجاجة للطاقة، يثبت الآن أنه قد يكون الشرارة التي تهز استقرار العالم بأسره، من خزانات الوقود إلى موائد الطعام .

المصدر: موقع اضاءات الإخباري