بقلم ( عباس المعلم )
حين يخرج البيت الأبيض ويعلن أن “الاستحواذ على غرينلاند أولوية للأمن القومي الأمريكي”، لا نتحدث عن تحذير استراتيجي أو تهديد وشيك، بل عن كشف صريح لعقيدة الإمبراطورية التي ترى العالم كله ملكية قابلة للسيطرة والتجزئة، وحلفاؤها مجرد نقاط على خريطة يمكن تبديلها أو ابتلاعها حين تتعارض مصالح القوة العليا مع مصالحها. الهدف ليس دولة معادية، بل إقليم يتبع لدولة حليفة، عضو مؤسس في حلف الناتو وعضو كامل في الاتحاد الأوروبي، ما يكشف بلا مواربة أن التحالفات في العقلية الأميركية ليست سوى أدوات مؤقتة تُستغل وتُهمل وفق ما تمليه المصالح، وأن السيادة والحلفاء والقوانين الدولية قابلة للتجاوز متى اقتضت الإرادة الإمبراطورية. غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، ليست مجرد مساحة جليدية صامتة، بل إقليم يتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، يسكنه شعب له ثقافته وحقه في تقرير مصيره، وتحت هذا الغطاء الأبيض تختزن ثروات طبيعية هائلة من المعادن النادرة والنفط والغاز، فضلاً عن موقع استراتيجي حيوي في قلب القطب الشمالي يتحكم بممرات بحرية وجوية أصبحت أكثر أهمية مع ذوبان الجليد والتغيرات المناخية العالمية، وكل هذه المعطيات تجعلها هدفًا لا يمكن تجاهله، لكن في منطق واشنطن تصبح غرينلاند أكثر من مجرد مورد، إنها فرصة لفرض الهيمنة وإعادة رسم النفوذ العالمي. المفارقة الصادمة أن هذه الجزيرة تقع ضمن مظلة الناتو وتتبع لدولة حليفة، أي أن الولايات المتحدة تملك بالفعل نفوذًا طويل الأمد هناك من خلال قواعد عسكرية قائمة واتفاقيات رسمية وحضور استراتيجي مستمر منذ عقود، ومع ذلك يسعى ترامب إلى ما يشبه إعلان السيطرة الصريحة، كأن السيادة والحلفاء والقوانين الدولية مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها بسلطة القوة. المسافة الجغرافية بين غرينلاند والولايات المتحدة نحو ثلاثة آلاف كيلومتر فقط تجعلها أقرب جغرافيًا من كثير من المناطق التي تدّعي واشنطن أنها حماة نفوذها فيها، وهذا القرب يُستغل اليوم كذريعة لتغليف الاستحواذ والهيمنة بمصطلحات مثل “الأمن القومي”، “مواجهة الصين”، و”إحباط النفوذ الروسي”، رغم أن الجزيرة نفسها لا تشكل تهديدًا مباشرًا، وإنما تمثل فرصة استراتيجية ومصدرًا للثروات الطبيعية وموقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية، وهي الذريعة ذاتها التي استُخدمت لتبرير احتلال دول ونهب مواردها وفرض حصارات تخنق شعوبًا كاملة باسم الاستقرار والدفاع عن الحرية. ترامب لا يختلف في الجوهر عن أسلافه، بل يتميز بالعلانية والوقاحة، فهو حين يتحدث عن “الاستحواذ” يفضح الحقيقة الإمبراطورية: القوة هي الحكم، والقانون الدولي مجرد توصية يمكن الالتفاف عليها، ووجود قاعدة أمريكية في غرينلاند لم يعد كافيًا، بل المطلوب الهيمنة الكاملة وفرض السيطرة علنًا، وكأن الجزيرة سلعة تُباع وتُشترى، وهذا السلوك ليس مجرد جشع بل بلطجة سياسية عالمية حيث تتضاءل سيادة الحلفاء أمام إرادة القوة. الغريب أن غرينلاند انسحبت من الاتحاد الأوروبي عام 1985 بقرار شعبي لضمان التحكم في مواردها وثرواتها، وليس لفتح الباب أمام الهيمنة الخارجية، ومع ذلك تقرأ واشنطن أي استقلال نسبي كفراغ يجب ملؤه بالقوة، أو كفرصة لتعزيز النفوذ والسيطرة، وهو ما يعكس عقلية إمبراطورية ترى العالم كله ساحة نفوذ، وتعتبر السيادة الدولية مجرد ورقة يمكن تجاهلها والتحالفات مجرد أوراق تُلعب حسب المصالح. الاستحواذ على غرينلاند ليس هدفًا اقتصاديًا بحتًا، بل رمز لسياسة القوة المطلقة، فالجزيرة ليست مجرد مساحة على الخريطة، سكانها لهم حقوقهم وثقافتهم وقرارهم، ورفضهم الانضمام للاتحاد الأوروبي تعبير عن إرادتهم في إدارة مواردهم، لكن الولايات المتحدة ترى هذا الاستقلال النسبي كمكان شاغر للهيمنة والتسلط، وكأن القوة وحدها تمنح الحق في إعادة رسم حدود الآخرين. التاريخ الحديث يوضح أن الولايات المتحدة لم تتردد أبدًا في تقديم مصالحها على حساب حلفائها، فالناتو، الذي صُمم كشراكة دفاعية جماعية، أصبح في ممارسات واشنطن مظلة تُستغل لمصالحها الخاصة، وحلفاؤها ليسوا محميين من الطموحات الأميركية، التحالفات مؤقتة تُحترم طالما تخدم المصلحة وتُلغى فور تعارضها معها، وهذه العقلية تجعل من “الأمن القومي” غطاء للهيمنة لا وسيلة لحماية الأرض أو البشر، وتحويل القانون الدولي إلى مجرد ورقة تُقلب بحسب المصلحة، والهيمنة على الموارد والممرات البحرية والموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي تجعل من الجزيرة هدفًا مغريًا ليس فقط للولايات المتحدة بل لكل قوة تبحث عن النفوذ، لكن المثير أن واشنطن تعلن عن طموحها صراحة على أرض حليف، دون أي احترام للسيادة أو للقانون الدولي، وهو سلوك يعكس طبيعة النفوذ الأميركي المعاصر: القوة أحق من الحق. ترامب يفضح هذا المنطق بلا تردد، العالم في قاموسه ليس مجموعة دول متساوية، بل خريطة يعاد رسمها وفق القوة، والدول ممتلكات يمكن السيطرة عليها، والشرعية الدولية مجرد توصية يمكن تجاهلها، والحلفاء يتحولون إلى ممتلكات مؤجلة والخصوم إلى أهداف قابلة للاستغلال والقوانين الدولية تصبح ورقة يمكن تدويرها حسب الرغبة. وفي النهاية، ما يحدث مع غرينلاند ليس مجرد حالة منفردة، بل رمز لعقلية إمبراطورية أميركية ترى العالم كله ساحة نفوذ ولا تعترف بالحدود أو الولاء أو القانون الدولي، فالجزيرة ليست للبيع ولا مجرد فرصة استثمارية، هي موطن لشعب يملك حقه في تقرير مصيره، ومثال على أن السيادة الوطنية لا يمكن استهانتها، لكن الولايات المتحدة حين تتبنى منطق القوة المطلقة تتعامل مع العالم كما لو أنه ملكية يمكن السيطرة عليها، وتصبح الهيمنة على الأراضي والشعوب والحلفاء أولوية، والقوة وحدها معيار الحكم، وغرينلاند كما غيرها من المناطق المستهدفة تؤكد حقيقة واحدة ، القوة المطلقة تعني الهيمنة المطلقة، والحلفاء ليسوا في مأمن، والقانون الدولي مرن حين يعارض المصلحة الإمبراطورية، وتصريحات ترامب اليوم ليست مجرد غرور رئاسي، بل كشف صريح لعقلية بلطجية العالم حيث الأرض والسكان والتحالفات أدوات تُستغل لإرضاء مصلحة القوة، وتتحول السيادة إلى مجرد مفهوم نظري أمام إرادة الإمبراطورية
عباس المعلم - كاتب سياسي