ثنائية القومية والكولونيالية
مقالات
ثنائية القومية والكولونيالية
حماس سعيد عبدلي
7 كانون الثاني 2026 , 18:31 م


حماس سعيد عبدلي

قد يبدو التساؤل عن وجود علاقة بين القومية والاستعمار أو ما يسمى بالكولونيالية أمرا مستغربا لدى البعض وذلك لما قد يعتبرونه مساهمة الحركات القومية في التحرر من ربقة الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني في كافة أرجاء دول الجنوب. ولكن المتتبع لتاريخ ظهور القومية بشكلها المعاصر يجد أن نشأتها ارتبطت بسياق استعماري وصناعي. فظاهرة القومية بما هي ظاهرة تاريخية وسياسية، بل وحتى سوسيولوجية تشكلت في أوروبا بعد عصر الأنوار. فصحيح أن هنالك بعض المؤرخين الذين يرجعون ظهور القومية إلى فترات تاريخية قديمة نوعا ما، ولكن المعلوم هو أن القومية بمفهومها الحديث ظهرت في أوروبا ما بعد عصر الأنوار، الأمر الذي يجعل منها نتاجا غربيا بحتا سيتم تصديره فيما بعد كمنتج كولونيالي لشعوب آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية. إذ يهدف هذا المقال إلى تفكيك الروابط الجامعة بين القومية والاستعمار وكيف ساهمت هذه العلاقة في إنتاج ما يسمى بالهوية الوطنية في دول الجنوب بما فيها العربية باعتبارها كما وصفها جوزيف مسعد "دول وطنية ما بعد كولونيالية".

كيف ساهم الاستعمار في نشأة القومية؟

لم يكن من قبيل الصدفة أن يتزامن تشكّل الأمم الأوروبية الحديثة مع تطور النظام الاستعماري العالمي. فقد بدت المستعمرات وكأنها توفر لأوروبا أفضل المرايا الممكنة، حيث ساعدت الأوروبي على إدراك نفسه باعتباره رجلا أبيض معاكسا للآخر الشرقي وأصبح الاستعمار مسقطا لصفات معاكسة لذاتية الأنا الأوروبية وإعطاء أمثلة "حضارية" مخالفة للمركزية الأوروبية الأمر الذي سيبرر فيما بعد فكرة الرسالة الحضارية و"عبء الرجل الأبيض". وفي هذا السياق، يمكن القول بأن قومية المتروبول تعززت من انعكاسها في مرآة المستعمرة؛ غير أن هذا الانعكاس نفسه ساهم في إنتاج قومية المستعمرة، وبهذا نكون إزاء حلقة مفرغة تنتج نوعين من القومية، الأولى هي قومية المتروبول والثانية هي قومية المستعمرة. فنجد أن الأولى تأسست على فكرة التفوق الحضاري أو العرقي وجمعت بين مشروع بناء الأمة داخليًا والرسالة الحضارية خارج حدودها. أما الثانية فقد نشأت من رحم النضال التحرري، واتسمت بطابع سلبي في البداية، إذ كانت تُعرّف نفسها من خلال مقاومة الآخر المستعمِر أكثر من صياغة برنامج إيجابي متكامل. ولهذا السبب غالبًا ما تضعف القومية المناهضة للاستعمار مباشرة بعد التحرير وتميل إلى إعادة إنتاج ظروف شبه استعمارية. علاوة على ارتباط هذه العلاقة الجدلية بالتحولات الاقتصادية الحاصلة في أوروبا إبان الثورة الصناعية "إذ ما إن بدأ الناس في الدول الصناعية الكبرى بالتعرّف على أنفسهم بوضوح كفرنسيين، أو بريطانيين، أو ألمان، أو أمريكيين أو يابانيين، حتى وقعوا في حب فكرة زرع أعلامهم الوطنية في كل بقاع العالم، ومن هنا انبثقت فكرة "الإمبراطورية". في المقابل، يرى مؤرخون آخرون أن مناهضة الاستعمار نفسها كانت نتاجًا للقومية، إذ ما إن بدأ الناس في آسيا وإفريقيا يدركون هويتهم كهنود، أو مصريين، أو جزائريين، أو أنغوليين، حتى طالبوا باستبدال الأعلام الأجنبية على أرضهم بأعلامهم الخاصة، فانبثقت بذلك فكرة "التحرر الوطني".

الاستعمار والدولة القومية:

إحدى الأدوات الرئيسة التي ساهمت في صياغة الهوية الوطنية كانت المؤسسات التي أنشأها الاستعمار أو التي أعاد تشكيلها، مثل المؤسستين القانونية والعسكرية. فالقوى الكولونيالية عمدت إلى فرض هذه المؤسسات مكان الأنظمة المحلية في مجتمعات لم تعرفها من قبل، لتكون في خدمة الدولة الاستعمارية وذلك من خلال النخب التي قامت بتنصيبها بعد عملية "الاستقلال". الأمر الذي يذكرنا بأطروحة تميم البرغوثي حول الوطنيات الأليفة والهويات المصطنعة التي أنتجها الاستعمار. وتكشف قراءات منظّري ما بعد الاستعمار، من فانون إلى سعيد، عن التناقضات العميقة التي حملتها الدولة القومية الناشئة بعد الاستقلال. فبينما مثّل التحرر الوطني لحظة انتصار رمزية، تحوّلت الدولة القومية سريعًا إلى "قفص حديدي" على الطريقة الفيبيرية، تفرض فيه النخب البرجوازية سيطرتها البيروقراطية على جماهير محرومة من الحقوق. ورأى فانون أن هذه الدول لم تفعل سوى إعادة إنتاج التهميش عن طريق الجهويات والمركزية الاقتصادية، بينما عبّر إدوارد سعيد عن خيبة الأمل من انزلاق ما بعد الاستعمار إلى نزعات محلية وانقسامية تُعيد إنتاج الانقسامات العرقية والدينية والسياسية التي زرعها الاستعمار نفسه رأى فيها انعكاسًا للإمبريالية. ففي الثقافة والإمبريالية، يرى سعيد أن "النزعة المحلية تعني قبول نتائج الإمبريالية، أي الانقسامات العرقية والدينية والسياسية التي فرضتها الإمبريالية ذاتها"، وهي في جوهرها "خروج من العالم التاريخي إلى ميتافيزيقا الجواهر مثل الزنجية، الإيرلندية، الإسلام أو الكاثوليكية"، الأمر الذي "يتخلى عن التاريخ لصالح جوهريات قادرة على دفع البشر إلى الاقتتال فيما بينهم. والتجربة العربية غنية بالعديد من الأمثلة من لبنان وسوريا والسودان بل إن الاستعمار نفسه ولّد صراعات قومية داخلية، كما حدث في شبه القارة الهندية بين الهندوس والمسلمين الأمر الذي أدى لظهور كيان سياسي قومي للهندوس (الهند) وآخر للمسلمين (باكستان)، دون أن ننسى برامج التقسيم التي وضعها خبراء الشرق الأوسط في الدوائر الاستخبارتية الغربية مثل برنارد لويس وغيره، بل نجد أن بعض الدول القومية العربية سعت إلى فصل شعوبها عن محيطها الجغرافي والثقافي من خلال تكريس بديل لذلك الانتماء الإقليمي ولعل أبرز مثال على ذلك هو تجربة القومية التونسية أو ما أطلق عليه بورقيبة "الأمة التونسية" في محاولة لخلق هوية موازية للأمة العربية أو القومية العربية. وقد حاول بنديكت أندرسون في كتابه الجماعات المتخيلة تفسير نشوء القوميات المناهضة للاستعمار، معتبرًا أن النخب ثنائية اللغة من أبناء المستعمرات كانت في قلب هذه العملية إذ كانت لديهم القدرة على الوصول إلى "الثقافة الغربية الحديثة بمعناها الواسع، ولا سيما إلى نماذج القومية والأمة والدولة القومية التي أُنتِجت في أماكن أخرى خلال القرن التاسع عشر". وقد كان العديد من أبرز شخصيات القومية الإفريقية المناهضة للاستعمار، مثل جوليوس نيريري في تنزانيا وكوامي نكروما في غانا، يتحدثون لغة المستعمر الأوروبي وعاشوا في أوروبا أو أمريكا الشمالية. ومن خلال المعرفة والتجارب التي اكتسبوها، تمكن هؤلاء المثقفون المحليون من صياغة وعي قومي، وبما أنهم حُرموا من المناصب العليا في أنظمة الحكم الاستعمارية، أصبحوا المتحدثين باسم القومية المناهضة للاستعمار. إذ مكّنها اطلاعها على الثقافة الغربية من استيعاب نماذج القومية والدولة القومية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، وهو ما سمح لها بصياغة وعي قومي جديد فمن الناحية العملية نجد مثلا أن الذي تزعم الحركة الوطنية في تونس ألا وهو الحبيب بورقيبة كان خريج الجامعة الفرنسية. من جهة أخرى نجد أن الاستعمار قد أسهم في إنتاج الهويات القومية بطرق متعددة، إذ استُخدمت المستعمرات كمختبرات للتجارب الإدارية والمؤسساتية. ففي الهند مثلًا، أنشأ البريطانيون أول شركة مساهمة، وأول مدارس حكومية، ونظام الامتحانات التنافسية للخدمة المدنية، فضلًا عن مؤسسات قانونية وعسكرية جديدة غيّرت طبيعة المجتمع المحلي. غير أن هذه السياسات أسهمت في خلق وعي قومي جديد، حيث بدأ السكان المحليون يتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم "شعبًا" له حقوق وهوية خاصة.. فيسأل تشاترجي: "إذا كان على القوميات في بقية العالم أن تختار جماعتها المتخيلة من أشكال (نماذج) محددة مُتاحة لها مسبقًا من أوروبا والأمريكيتين، فماذا يبقى لها لتتخيله؟" ويخلص إلى أن أوروبا والأمريكيتين لا بد وأنهما قد كتبتا ليس فقط "التنوير والاستغلال الاستعماري"، بل أيضًا "المقاومة المناهضة للاستعمار وبؤس ما بعد الاستعمار. حتى مخيلاتنا لا بد أن تظل مستعمَرة إلى الأبد".

هكذا يمكن القول إن الاستعمار لم يكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الشعوب، بل كان أحد المحركات الأساسية لنشوء القومية. فهو من جهة عزز قومية الدول الاستعمارية ذاتها، ومن جهة أخرى أطلق شرارة القومية في المستعمرات التي طالبت بالتحرر، ليصبح الاستعمار والقومية وجهين متلازمين في التاريخ الحديث.