انطلاقا من تصريح الكاردينال ماريو زيناري، الذي أكد أن نحو 80٪ من المسيحيين الذين كانوا يعيشون في سوريا قبل الحرب قد غادروا البلاد خلال السنوات الماضية، واصفا هذا التحول بأنه “جرح عميق” أصاب النسيج الاجتماعي السوري، تتضح خطورة التحولات الديموغرافية التي شهدتها البلاد خلال العقد الأخير، والتي طالت أحد أقدم المكونات الحضارية في المشرق العربي.
فقد شهد الوجود المسيحي في سوريا تراجعا ملحوظا منذ عام 2011، إذ تشير تقديرات متعددة إلى انخفاض عدد المسيحيين من نحو مليون ونصف المليون قبل الحرب إلى ما يقارب 300 ألف اليوم، مع اختلاف الأرقام بين مصدر وآخر، إلا أن الاتجاه العام يؤكد حدوث نزيف سكاني كبير نتيجة الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية.
ويمثل المسيحيون السوريون جزءا أصيلاً من التاريخ الاجتماعي والثقافي للبلاد، حيث ارتبط حضورهم بالمدن التاريخية الكبرى مثل دمشق وحمص وحلب، التي شكلت عبر القرون مراكز للتفاعل الحضاري بين مختلف المكونات الدينية والاجتماعية.
ولم يكن الوجود المسيحي في سوريا حضورا دينيا فحسب، بل كان عنصرا أساسيا في مسار النهضة الفكرية العربية الحديثة، إذ أسهم المسيحيون في تطوير الصحافة والترجمة والأدب والعلوم، وشاركوا في تأسيس مؤسسات تعليمية كان لها دور مهم في تاريخ المنطقة، كما ارتبطت العديد من مدارس المشرق العربي بمبادرات ثقافية مسيحية ساعدت على نشر التعليم الحديث وتعزيز الفكر المدني.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن المجتمع السوري كان، خلال مراحل طويلة من تاريخه، نموذجا نسبيا للتعددية الدينية، حيث أسهم التفاعل بين مختلف المكونات في خلق بيئة ثقافية غنية بالإنتاج الأدبي والفني والمعرفي. كما حافظت الكنائس والأديرة السورية على إرث روحي وحضاري عميق، وظلت مراكز للحياة الاجتماعية والتعليمية في عدد من المناطق.
إن خسارة هذا التنوع لا تمثل خسارة لمكوّن واحد فقط، بل هي خسارة للمنطقة بأسرها، لأن المشرق العربي تشكل تاريخيا من تفاعل حضاري طويل بين الأديان والثقافات، حيث كان التنوع أحد عناصر القوة المجتمعية التي ساعدت على تعزيز الاستقرار النسبي وإنتاج حراك فكري واجتماعي متوازن.
واليوم تبرز الحاجة إلى جهود دولية ومحلية لدعم الاستقرار في سوريا، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة النازحين والمهاجرين، عبر تحسين الواقع الاقتصادي، وتعزيز الأمن، وضمان المساواة بين المواطنين دون تمييز. فاستعادة الحياة الطبيعية داخل البلاد تمثل خطوة أساسية للحفاظ على ما تبقى من هذا الإرث الحضاري.
إن مستقبل سوريا يرتبط بقدرتها على حماية تنوعها الثقافي والديني باعتباره جزءا من هويتها الوطنية، لأن قوة المجتمعات لا تقاس بوحدتها الشكلية فقط، بل بقدرتها على احتضان اختلافاتها وتحويلها إلى مصدر للغنى الإنساني.
وفي النهاية، يبقى الوجود المسيحي في سوريا شاهدًا على عمق التاريخ المشرقي، ودليلاً على أن الحضارة الحقيقية تُبنى على التعدد والتعايش واحترام الإنسان، مهما اختلفت خلفياته وانتماءاته .