لم يكن دونالد ترامب استثناءً في تاريخ الرؤساء الأمريكيين في تعاملهم مع العالم العربي، لكنه كان الأكثر فجاجة في التعبير عن عقلية كامنة لطالما حكمت السياسة الأمريكية: عقلية ترى في العرب مادة للضغط والابتزاز، لا شعوبا ذات سيادة وحقوق. الفارق أن دونالد ترامب قال ما كان غيره يفضّل إخفاءه خلف لغة دبلوماسية.
منذ حملته الانتخابية، قدّم ترامب المسلم والعربي بوصفه “خطرا محتملا”، لا إنسانا. لم يحتج إلى أدلة، لأن هدفه لم يكن الحقيقة، بل تعبئة الخوف داخل المجتمع الأمريكي. هكذا وُلد خطاب يقوم على التعميم والشيطنة، ويحوّل ملايين البشر إلى متهمين جماعيين، فقط لأنهم ينتمون إلى دين أو منطقة جغرافية بعينها.
وعندما وصل إلى السلطة، لم يتراجع، بل حوّل هذا الخطاب إلى سياسة رسمية. قرارات حظر السفر، والانحياز المطلق لإسرائيل، والاعتراف بالقدس عاصمة لها، لم تكن أخطاء دبلوماسية، بل خطوات محسوبة، أرسلت رسالة واضحة: الحقوق العربية قابلة للإلغاء بقرار رئاسي، والقانون الدولي ورقة يمكن تمزيقها متى تعارضت مع منطق القوة.
ترامب قدّم نفسه باعتباره “رجل الصفقات”، لكن صفَقاته في الشرق الأوسط لم تنتج سلاما ولا استقرارا، بل عمّقت الصراعات، وكرّست منطق الابتزاز المالي والسياسي. دول تُهدَّد، وأخرى تُكافأ، وفق معيار واحد: من يدفع أكثر، ومن يصمت أكثر. هذه ليست واقعية سياسية، بل إدارة إمبراطورية قصيرة النظر.
الأكثر خطورة أن ترامب لم يتعامل مع الفوضى في المنطقة ككارثة إنسانية، بل كفرصة. استمرار الحروب يعني مزيدا من صفقات السلاح، ومزيدا من السيطرة، ومزيدا من تهميش الشعوب. ومن هنا يصبح الحديث عن “مكافحة التطرف” خطابا فارغا، طالما أن جذور العنف تُغذّى بالسياسات نفسها التي يدّعي محاربتها.
إن إرث ترامب في المنطقة لا يمكن التعامل معه بوصفه مرحلة عابرة أو حالة شخصية منفصلة عن السياق السياسي الأمريكي. ما جرى في عهده عبّر بوضوح عن طريقة إدارة المصالح في الشرق الأوسط من موقع القوة والفرض، حيث تُهمَّش الحقوق العربية لصالح اعتبارات النفوذ والصفقات. هذه الوقائع وحدها كافية لتفسير حجم الضرر الذي خلّفته سياساته، ولتأكيد أن المشكلة لم تكن في أسلوب الخطاب فقط، بل في جوهر النهج الذي حَكَم تلك المرحلة.