كتب حسن علي طه
لم تعد بعض الدول تُعرَّف بحدودها الجغرافية ولا بأعلامها، بل تُعرَّف اليوم بوظيفتها في النظام السياسي الإقليمي. وما بين دولة تُريد أن تكون عنصر استقرار، ودولة تقبل أن تتحوّل إلى أداة تنفيذ، تضيع شعوب، وتُدمَّر أوطان.
في هذا السياق، يبرز الدور الذي تؤدّيه دولة "المؤامرات العبرية المتحدة" في السنوات الأخيرة كواحد من أكثر الأدوار إشكالية وخطورة في المنطقة العربية. لا لأنها الدولة الأقوى، ولا لأنها الدولة الأهم، بل لأنها قبلت طوعًا أن تلعب دورًا يتجاوز حجمها الطبيعي، ويتناقض مع محيطها العربي، ويخدم مشاريع لا علاقة لها بمصالح الشعوب.
"الإمارات"، في صورتها السياسية الجديدة، لم تعد تكتفي بالعلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو حتى الأمنية التقليدية، بل انخرطت في شبكة تدخلات عابرة للحدود، تُدار عبر المال، والإعلام، والتحالفات الأمنية، والعمل بالوكالة.
في اليمن، لم تكن جزءًا من حلّ، بل جزءًا من تعقيد الصراع وتفكيك الدولة.
حتى بانت عظام أجساد أطفال اليمن جوعًا.
في السودان، لم يكن تدخلها من أجل الاستقرار، بل من أجل إدارة النفوذ في بلد منكوب. ولو كلّف ذلك دفن أحياء في مجازر جماعية توثقها الفيديوهات.
في سوريا والعراق، كان الاصطفاف دائمًا مع مشاريع التفتيت لا مع مشاريع السيادة.
وفي فلسطين، كان التطبيع العلني مع العدو تتويجًا لهذا المسار، لا استثناءً عنه. حتى يوم كانت تُذبح غزة برضّعها وخُدّجها وتُباد على الهواء مباشرة.
حتى السعودية، التي تُعدّ جزءًا من أمنها القومي وعمقها الجغرافي، لم تسلم من دولة المؤامرات، إذ اختارت أن تكون خنجرًا في ظهر المملكة وخاصرتها.
هذا التحوّل لا يمكن فهمه إلا بوضعه في سياقه الأكبر: اندماج سياسي وأمني كامل في المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة، حيث تُعاد هندسة الشرق الأوسط على أساس تفكيك الدول، وإضعاف الجيوش، وتحويل الصراعات إلى نزاعات داخلية لا تنتهي.
في هذا الإطار، لا تكون الإمارات "دولة مستقلة القرار"، بل تتحوّل إلى وسيط تنفيذ، إلى منصة، إلى واجهة عربية لمشروع غير عربي. وهنا تكمن الخطورة: حين تُقدَّم التدخلات على أنها سياسات سيادية، ويُقدَّم التطبيع على أنه واقعية، ويُقدَّم التخلي عن فلسطين على أنه شجاعة سياسية، ويُقدَّم الصمت عن المجازر على أنه حكمة.
ليست المشكلة في أن تختلف الدول، ولا في أن تتنوّع السياسات، بل في أن تتحوّل دولة عربية إلى أداة في ضرب دول عربية أخرى، وفي شرعنة قتل شعوب عربية، وفي تغطية عدوان إسرائيلي مستمر على شعب محتلّ.
هذا ليس خلافًا سياسيًا عاديًا، بل تحوّل في الموقع والدور والوظيفة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد الإمارات؟
ولِمَ كل هذه المؤامرات؟
بل: من تخدم الإمارات؟ ولصالح أي مشروع؟ وعلى حساب من؟
حين تُطرَح هذه الأسئلة بصدق، تتكشّف الحقيقة المؤلمة: أن ما يُقدَّم بوصفه سياسة عقلانية، ليس إلا تخلّيًا عن الحدّ الأدنى من المسؤولية القومية والأخلاقية، وأن ما يُقدَّم بوصفه شراكة دولية، ليس إلا اندماجًا في مشروع يُنتج الحروب ولا ينهيها.
الدول لا تُقاس بحجم ناطحات السحاب، ولا بسرعة الاقتصاد، ولا بعدد المؤتمرات الدولية التي تستضيفها، بل تُقاس بموقعها من الحق، ومن العدالة، ومن دماء الأبرياء.
وفي هذا الميزان، فإن الدور الذي تلعبه الإمارات اليوم ليس دور دولة تبحث عن الاستقرار، بل دور لاعب يستثمر في الفوضى، ويتكيّف مع العدوان، ويبرّر الظلم باسم الواقعية.
وهنا، لا يعود السكوت حكمة، ولا يعود الحياد فضيلة، ولا يعود التطبيع سياسة.
يعود كل ذلك اسمًا آخر لشيء واحد: التخلّي والتخلي حدّ الذوبان في مشروعٍ لا يشبهها، ولا يشبهنا.