في هذه الإطلالة، يفتح الكاتب والباحث ميخائيل عوض ملف إيران من زاوية غير تقليدية، كاشفًا التحديات والمخاطر التي تهدد كيان الدولة، ومفككًا وهم “الحدث المفاجئ”.
كما يقدم قراءة صادمة تربط بين تصفية الدور الكردي في سوريا وزجّه اليوم في الداخل الإيراني، ضمن مشروع إقليمي لإدارة الفوضى وإعادة رسم الخرائط.
*أولاً: زمن اللا-معقول: حين تسقط القواعد وتُدار الفوضى*
يجدد د.عوض تأكيده أننا نعيش زمناً غير مسبوق في تسارع الأحداث وتكسر القواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود. ما نشهده ليس مجرد أزمات متفرقة، بل سنة مفصلية حبلى بأحداث نوعية عصيبة، تتجه فيها السياسة العالمية نحو منطق الإرادة العارية والقوة الفجة، بلا ضوابط أو أعراف.
ترامب، بعقليته السلطوية، لا يخفي طموحه في حكم العالم بإرادته الخاصة. يعلن صراحة أن غزة، النفط، فنزويلا، وحتى الجزر، تُدار بقراره، بالمال أو بالبطش. لم يعد هناك خطاب دبلوماسي تقليدي، بل منطق الاستحواذ.
*ثانياً: سوريا: سلطة تنفيذ بلا سيادة*
بات واضحا" أن ما جرى في حلب ليس حدثاً ميدانياً معزولاً، بل حلقة في اتفاق دولي ثلاثي (أميركي – تركي – إسرائيلي) جرى الاتفاق في باريس، وسوريا فيه مجرد ساحة تنفيذ.
أما السلطة الانتقالية:
- لا تملك قراراً سيادياً
- لا تحكم
- ولا تُسأل
وظيفتها الوحيدة تنفيذ التفاهمات. والدليل الصارخ أن تركيا كانت الدولة الوحيدة التي أعلنت تأييدها العلني للتفاوض بين سلطة الجولاني وإسرائيل.
فما دلالة ذلك؟ إن أهم ما تدلل عليه الأحداث أن سوريا ما زالت بعيدة عن الاستقرار، وتعيش:
- حالة ذهول جماعي
- تشظي اجتماعي
- كمون سياسي خطير
والأخطر برأي د.عوض أن الجمهور السوري لم يهبّ دفاعاً عن حي الشيخ مقصود، ليس جبناً، بل نتيجة:
- إرث 14 سنة من التفكيك
- الشك المتبادل
- الاستثمار في الانقسام بين المكونات
يبدو أنه يوم أُكل الثور الأبيض… كان تمهيداً لأكل الجميع.
*ثالثاً: تفكيك الجغرافيا لا تقسيمها*
المشروع الجاري ليس تقسيم سوريا على الورق، بل تفكيكها عملياً وذلك عبر:
- إدارة الهويات
- تصنيع جماعات
- ضرب الهوية الوطنية الجامعة
وهو ما ينسجم تماماً مع رؤية ترامب – نتنياهو:
“لا نريد دولاً… بل مجموعات شعوب متجاورة بالصدفة”.
*رابعاً: «قسد»: من وهم الوطنية إلى وظيفة الأطلسي*
يرى د.عوض أن انسحاب «قسد» من أحياء حلب، وسلوكها في شرق الفرات، يؤكد أنها:
ليست مشروعاً وطنياً
بل واجهة وظيفية لمشروع أميركي-أطلسي
كما كانت جماعات الإسلام السياسي المتأمركة أدوات مؤقتة، كذلك «قسد».
وسيكتشف الجمهور الكردي، عاجلاً أم آجلاً، أن هذه الأدوات:
لا تخدم الكرد ولا سوريا
ولا شعوب المنطقة. بل إن الأخطر أن ما حصل في حلب قد يكون بحسب د.عوض مقدمة لتصفية الوجود الكردي في سوريا وبالتالي تتخلص تركيا من العقدة الأمنية والخطر الكردي الذي كانت دائما تخشاه.
*خامساً: إيران: لا مفاجآت… السيناريو معروف*
ما يجري في إيران ليس مفاجئاً ولا جديداً وفق طرح د.عوض بل كل ما يحصل كان قد نبه وحذر منه مرارا" وأن كل ما يجري من :
- اضطرابات اجتماعية
- محاولة تحويلها إلى اشتباكات
- استثمار الإعلام
- تحريك الكرد
- استدعاء جماعات مسلحة وشذاذ آفاق
ما هي إلا الوصفة الأميركية-الإسرائيلية الكلاسيكية لتفخيخ الدول.
فبعد حرب الـ12 يوماً، وبعد تصريحات ترامب ونتنياهو وتوماس باراك، لا يحق لأحد الادعاء بالمفاجأة.
*سادساً: هل تسقط إيران كما سقط غيرها؟ ماذا بعد الشارع؟ حدود الانفجار الداخلي في إيران*
رغم اتساع رقعة الاحتجاجات والضجيج الإعلامي المصاحب لها، إلا أن الشارع الإيراني، بذاته، لا يمتلك القدرة البنيوية على إسقاط النظام. ما يجري هو محاولة دفع الحراك من مطلب اجتماعي إلى اشتباك أمني، تمهيدًا لاستثماره سياسيًا، وهي وصفة مجرَّبة لا تحمل عنصر المفاجأة.
وفي حسم قاطع للباحث ميخائيل عوض عن سؤال هل يتكرر نموذج سقوط النظام في العراق وليبيا وسوريا مع إيران،
الجواب الواقعي: لا.
فالتجربة تقول أن:
- الانتفاضات لم تسقط صدام
- الحصار لم يسقط القذافي
- الاحتجاجات وحدها لم تسقط النظام السوري.
إضافة أن إيران نموذج متفرد ومختلف. أما لماذا إيران مختلفة؟
فبحسب د.عوض لأنها:
ليست نظاماً تقليدياً بل سيستم مركّب بدستور خاص
وتوازنات دقيقة
ودولتين في دولة (مدنية + ولاية).
النظام الإيراني بُني:
على قاعدة اجتماعية عميقة
وعلى مؤسسة دينية وطنية عريقة. وعلى تحالف تاريخي مع البازار
وهو نظام يدير التناقضات ولا ينفجر بها.
*سابعاً: متى يكون الخطر الحقيقي؟الرهان الحقيقي… الانقسام داخل الولاية*
الخطر الفعلي لا يكمن في الشارع، بل في احتمال انقسام عمودي داخل مؤسسة الولاية والحرس. عند هذه النقطة فقط يصبح المشهد مختلفًا، أما ما دون ذلك فيبقى ضمن هامش الاحتواء الذي أتقنه النظام الإيراني عبر عقود.
بحسب رؤية د.عوض إذا كان هناك :
- انقسام عمودي داخل مؤسسة الولاية نفسها
- داخل الحرس
- داخل المؤسسة الدينية العليا
عندها يكون خطر السقوط مطروحا" بقوة أما الشارع وحده، مهما اشتد، فلن يُسقط هذا النظام.
*ثامناً: الحرب: التهويل أم الواقع؟*
وحول سيناريو التهويل والترهيب بضربة عسكرية على إيران يرى د.عوض أن
الضربة الخارجية ستكون مكلفة ونتائجها غير مضمونة
وقد تؤدي غالباً إلى التفاف داخلي حول القيادة. ويعيد د.عوض التذكير بقول ترامب نفسه قال:
“أنقذت إسرائيل من أن تُدمَّرها إيران”.
وهذا اعتراف صريح بحدود القوة. وبناء عليه لن يكون هناك ضربة خارجية ما لم تكن لدى إسرائيل وأمريكا أوراق اختراق مسكوت عنها حتى الآن كتلك التي كانت في حرب ال١٢ يوم.
*تاسعاً: خطأ إيران القاتل: الصبر الاستراتيجي*
أكبر مأزق استراتيجي لإيران هو الاستمرار بعقيدة الصبر الاستراتيجي عبر الاستمرار بسياسة:
- القتال بالحلفاء
- تأجيل الحسم
- إدارة الاستنزاف.
وفي تأكيد صريح للدكتور عوض فإن إيران تملك عناصر القوة والحسم بكل تأكيد، كما هو مؤكد وفق منهج د.عوض أنها أخطأت في إدارة حرب الإسناد بشكل قاطع فالنتائج واضحة:
- خسارة سوريا
- خسارة لبنان
- تآكل نفوذها العراق
وأما غزة واليمن فهما نموذجان خارج السيطرة وقد أثبتت الوقائع والمعطيات أنهما أدارا الحرب باستراتيجية فهم عميق ودقيق لمساراتها وأهدافها ولم يقعا ضحية الفخ الاستراتيجي الذي توهمته إيران وبعض من المحور.
*عاشراً: القاعدة الأساسية في الحروب: الهجوم أفضل وسائل الدفاع...المبادرة الاستباقية… شرط البقاء*
أمام الإعلان الواضح والصريح لأمريكا على لسان ترمب ومبعوثه براك وعلى لسان نتنياهو بأن إيران وحزب الله رأس الحية ويجب قطع هذا الرأس يصبح أي تأخر في المبادرة هو مقتل لا نجاة منه. الصبر الاستراتيجي، في مواجهة عدو أعلن حرب وجود، لم يعد يراكم القوة بل يستنزفها، ويفتح المجال أمام الخصوم لقطف الثمار تباعًا دون أثمان مباشرة.
وكما قال الإمام علي:
«ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلّوا».
وكما قال ماركس عن كومونة باريس:
خطيئتها أنها تحولت إلى الدفاع.
ففي حرب وجودية معلنة:
- الصبر قاتل
- الدفاع استنزاف
- المبادرة ضرورة حتمية.
*الحادي عشر: ما الذي تستطيع إيران فعله؟*
في الحروب الوجودية، لا مكان للدفاع الطويل. المبادرة، ولو السياسية–الردعية، هي شرط البقاء. الانتظار في هذا السياق لا يُفسَّر ضبطًا للنفس، بل عجزًا يُغري الخصم بالمزيد من التصعيد.
وبحسب د.عوض فإيران تمتلك:
- المظلومية
- الشرعية الدفاعية
- القدرة العسكرية
- المسرح الإقليمي
و بإشارة واحدة من المرشد فيها:
إنذار وتهديد مباشر بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل باب المندب.
أو تحريك العراق بفتوى
يمكن قلب الطاولة وتتغير اتجاهات الأحداث ومسارات المستقبل. فهل تفعلها إيران؟ هذا السؤال برسم المسؤولين والمعنيين.
*الثاني عشر: العراق: الحلقة القابلة للكسر...والساحة القابلة للانفجار المعاكس*
العراق يشكّل الخاصرة الأكثر حساسية في الصراع. تحريك الشارع العراقي، بغطاء ديني–وطني، قادر على قلب المعادلة، وإرباك المشروع الأميركي من داخله، قبل أن يُستخدم العراق كمنصة ضغط أو طعن في الخاصرة الإيرانية.فبعد كل ما قدمته إيران فالعراق بات اليوم:
- ساحة أميركية
- نظام مفروض
- نخبة راكمت الثروة على حساب الشعب.
ولكن لازالت إيران تملك خزان القوة الشعبية العقائدية الموالية
وبـ5 ملايين من المشاركين في مليونية أربعين الحسين عليه السلام، وبفتوى من المراجع وعلى رأسهم السيد الخامنئي بأن تتحرك الجموع لاجتياح المنطقة الخضراء وإسقاط الوجود الأمريكي. بهذه الفتوى فقط ومن دون أن عمل عسكري يمكن لإيران أن تنهي النفوذ الأميركي
وتكسر الخنجر المسموم قبل استخدامه ضدها وفي خاصرتها.
فهل تفعلها؟ للمرة الثانية الجواب عند الإيراني وليس غيره.
*الثالث عشر: لحظة القرار... إيران إما صانعة التحول أو ضحيته الكبرى...من إدارة الأزمة إلى كسر المشروع*
إيران اليوم أمام مفترق حاسم: إما الاستمرار في إدارة الأزمة، أو الانتقال إلى كسر المشروع المعادي برمّته. هذه ليست معركة تحسين شروط، بل صراع وجود، والقرار الذي يُتخذ الآن سيحدد موقع إيران في النظام الدولي القادم: لاعبًا مركزيًا… أو ساحة مفتوحة. وبحسب د.عوض هذه حرب وجودية سينتج عنها:
- مهزوم سيغيب وربما للأبد
- ومنتصر سيحكم
السكين اليوم على رقبة إيران وقرار إسقاطها اتخذ وبكل الوسائل والأدوات الممكنة.
ولكن الفرصة ما زالت قائمة. فإما قرار في هذه اللحظة للانتقال من الدفاع إلى الهجوم أو فالثمن سيكون كبيرا".
إن أحسنت إيران قراءة اللحظة، قد تكون:
قابلة ولادة النظام العالمي الجديد.
القرار إما الآن…أو أبدا".
بتاريخ: 11.01.2026
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://youtu.be/MGA79RVWER8?si=DHC3pji0rwAoDTOt