م. ميشال كلاغاصي
14/1/2026
في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، اندلعت احتجاجات حاشدة في إيران بسبب الأزمة الاقتصادية، حيث بدأت في طهران، وسرعان ما امتدت إلى مدن أخرى، ورداً على ذلك، شددت السلطات الإيرانية إجراءاتها الأمنية، فإستخدمت الغاز المسيل للدموع والبنادق الهوائية لتفريق المتظاهرين، وقطعت الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، ولقي أكثر من 200 عنصر أمن و2400 شخص حتفهم في الإشتباكات خلال الثلاثة الأسابيع الأولى من الاحتجاجات - بحسب موقع هرانا لرصد حقوق الإنسان الإيرانية -.
وحمّلت السلطات الإيرانية قوىً خارجية مسؤولية الاضطرابات، ووفقاً لوزارة الخارجية الإيرانية، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان وراء تحركات المتظاهرين، في حين اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طهران بتجاوز "الخط الأحمر" في قمع الاحتجاجات، وصرح بأن واشنطن تدرس بجدية اتخاذ إجراءات انتقامية، بما في ذلك استخدام القوة، في وقتٍ أكد فيه وزير الدفاع الإيراني جهوزية القوات الإيرانية للدفاع عن البلاد، وقدرتها على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.
ما الذي يحدث في إيران.. سؤالٌ أجاب عليه ترامب بنفسه في 13/1/2026، من خلال دعوته من وصفهم بـ "الوطنيون الإيرانيون" لمواصلة الإحتجاجات، والسيطرة على مؤسسات الدولة، وحفظ أسماء القتلة والمعتدين، مؤكداً لهم أن "المساعدة الأمريكية في الطريق"، مصدّراً شعاره "بجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، إلى المحتجين مطالباً إياهم "بجعل إيران عظيمة مجدداً".
حيث تصاعدت الإحتجاجات، في ظل أزمة اقتصادية حادة تعصف بالبلاد، ومع نهاية العام، بلغ حجم التضخم 42.2%، وانخفضت قيمة الريال الإيراني إلى مستوى قياسي بلغ حوالي 1.42 مليون ريال للدولار الواحد، ورفعت الحكومة سعر البنزين المدعوم، وفرضت نظاماً تصاعدياً للتعريفات لمكافحة الهدر وتهريب الوقود.
وفي بداية الأمر، اندلعت الإحتجاجات وسط أسواق طهران جراء الإنخفاض الحاد في قيمة الريال الإيراني، واُغلقت المحال التجارية، ونزل أصحابها إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم من انخفاض قيمة العملة وارتفاع الأسعار، وسرعان ما انضم إليهم آخرون، حيث ركزت المطالب على الدعم الإقتصادي للمواطنين، واستقرار أسعار صرف العملة، وخفض الأسعار، ولكن في غضون أيام، اتخذت الشعارات منحىً متطرفاً واستهدفت الجمهورية الإسلامية ككل وزعيمها الروحي، المرشد الأعلى علي خامنئي، وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى خارج العاصمة طهران إلى عشرات المدن، وفي جنوب البلاد، حاول المتظاهرون اقتحام مبانٍ حكومية وإضرام النار في عدد من السيارات، في مشهدٍ فوضوي غير مسبوق، وسط محاولات حكومية لإحتواء الموقف، وردع المشاغبين واحتجازهم محرضيهم، لكن حالة الفوضى والهيجان تسببت بسقوط الضحايا.
وقد حمّل المرشد الأعلى علي خامنئي "خصوم إيران الخارجيين" مسؤولية الأحداث، مؤكداً أن "الإحتجاجات مقبولة، لكن أعمال الشغب غير مقبولة، وأنه يجب اتخاذ إجراءات حازمة ضد العنف"، من جهة أخرى، دعا الرئيس بزشكيان الشرطة إلى تجنب العنف، والتحلي بضبط النفس، والإنخراط في حوار مع المجتمع المدني.
وسرعان تكشّف وتصاعد التدخل الأمريكي والإسرائيلي، وحذر الرئيس دونالد ترامب طهران من قمع الاحتجاجات وبأنه "سيؤدي إلى تدخل واشنطن"، معلناً استعداده لدعم المتظاهرين، وأصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانات شديدة اللهجة بعضها باللغة الفارسية، متهمة الحكومة الإيرانية بتدمير الإقتصاد ودعم الجماعات المتطرفة، وأعلن الموساد الإسرائيلي عن دعمه للإحتجاجات، الأمر الذي أكد نواياهما بمنع التوصل إلى حل ينهي الإحتجاجات والعنف.
كذلك هدد ترامب، أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران وبأنها "ستواجه رسوماً جمركية أميركية بنسبة 25% في جميع معاملاتها مع أميركا"... الأمر الذي أعطى تصريحاته بعداً تجاوز إيران وحمل تهديداً استراتيجياً بالغ الخطورة، يطال بنية التجارة العالمية والعلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها وأصدقائها وأعدائها، من فنزويلا إلى الصين، في نيةٍ واضحة لخنق إيران وليس للإكتفاء بمحاصرتها، وهي التي تعاني من تراجع في قيمة عملتها، التي تستخدمها في عمليات مقايضة تجارتها بعيداً عن الدولار وهيمنته الدولية، وأثر ذلك على تشجيع غير دول بالحذو حذوها.
ووسط هذه الأجواء، ضاعفت وسائل الإعلام الأمريكية تسليط أضوائها على مواقف وتصريحات رضا بهلوي- ولي عهد الشاه الذي أُطيح به عام ١٩٧٩-، الذي رحب بدعم ترامب للإحتجاجات، معلناً حاجة البلاد إلى شخصية جامعة تقود الإنتقال نحو "مستقبلٍ ديمقراطي"، وبدا كمن يشير إلى نفسه، وحث الإيرانيين على مواصلة احتجاجاتهم وزيادة أعداد المتظاهرين، ودعا الولايات المتحدة إلى "التدخل الفعال".. وعلى إثر تدخل الإعلام الخارجي قامت السلطات الإيرانية بقطع خدمة الإنترنيت، ونشرت الجيش في أكثر المدن التي تنتشر فيها الفوضى، وبدأت بإعتقال منظمي ومثيري أعمال الشغب، ووعد رئيس السلطة القضائية بمحاكمتهم علناً، بعدما تبين للعالم بأسره أن هذه "الثورة" برمتها، ليست سوى محاولة خارجية لتمزيق البلاد، وتدمير الدولة، والإستيلاء على مواردها.
من الواضح أن الولايات المتحدة تعمدت الإتكاء على بهلوي وعلى تعزيز مكانته في الشارع الإيراني، لكن رد الشارع أتى صاعقاً وبحشودٍ مليونية في طهران عبرت من خلال الحشود الشعبية معارضتها للتظاهرات وإعمال الشغب والتدخلات الخارجية، التي تستهدف وحدة وأمن البلاد، وإسقاط الدولة، ومع ذلك أظهرت دعمها للمطالب الشعبية المحقة، كتثبيت سعر صوف الريال، وغيرها المطالب ضمن الأطر الدستورية للبلاد.
بدا واضحاً فشل الحرب النفسية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وعدم جدوى بث وترويج الأخبار الكاذبة المضللة، وسقوط دعوات بهلوي للاستيلاء على المباني الحكومية، وقتل الموظفين المدنيين، ورفع أعلام الشاه في السفارات الإيرانية حول العالم.
ومع التقدم الملحوظ بإنخفاض وتيرة التظاهر وتراجع زخم الإحتجاجات – بحسب قناة الجزيرة ومواقع أخرى -، وعودة افتتاح عدد من المحال التجارية، وسط حش