انحطاط الولايات المتحدة الامريكية على يد ترامب
مقالات
انحطاط الولايات المتحدة الامريكية على يد ترامب
م. زياد أبو الرجا
15 كانون الثاني 2026 , 22:28 م


* مشكلة الدولة رقم واحد عالميا بالنسبة للافول والانحطاط ليست كتلك واجهها الاتحاد السوفياتي حين تفكك في تسعينيات القرن الماضي.يعود ذلك الى ميزتين مهمتين.الاولى،هي حجم المشاركة في القوة العالمية تتناقص بسرعة اكثر بالنسبة للاتحاد السوفياتي،وان مشكلاتها لا تقارن بالمشاكل التي واجهها الاتحاد السوفياتي.فقوة امريكا المطلقة وخاصة ( في الصناعة ومجالات التكنولوجيا ) ما زالت اوسع من تلك التي كانت للاتحاد السوفياتي.والثانية.هي المجتمع الامريكي غير المنظم وغير الموجه ( مع انها لا تخلو من نقاط ضعفها ) التي تمنحها حظا اوفر لاعادة الضبط والتاقلم من جديد مع الظروف المتغيرة،اكثر من القوة الجامدة والموجهة.لكن ذلك يعتمد على وجود قيادة وطنية قادرة على فهم اوسع للعملية الجارية في العالم هذه الايام،والتي على دراية بكلتا نقاط القوة ونقاط الضعف للولايات المتحدة الامريكية،عندما تسعى للتاقلم واعادة الضبط من جديد مع المناخات العالمية المتغيرة.

بالرغم من ان الولايات المتحدة التي كانت في العقود السابقة،تحتل مكانة خاصة بها اقتصاديا ،وعسكري،وسياسيا.الا انه لا يمكنها تجنب الامتحانين الاصعب اللذان يتحديان بقاء وعمر اية قوة عظمى تحتل المكانة رقم واحد في شؤون العالم.سواء في مجال العسكري/الاستراتيجي التي تستطيع الحفاظ عليها مع توازن بين حاجات الامة لمتطلبات الدفاع الملموسة،والوسائل التي تمتلكها للحفاظ على تلك الالتزامات،والنقاط ذات الصلة الوثيقة،التي تحافظ على الاسس التكنولوجية والاقتصادية لقوتها من التاكل النسبي في وجه المتغيرات الدائمة في انماط الانتاج العالمي.هذا الامتحان لقدرات امريكا هو الاعظم.لانها تشبه اسبانيا الامبراطورية عام ١٦٠٠،او الامبراطورية البريطانية عام ١٩٠٠.لانها الوريث لمجموعة واسعة جدا من الالتزامات الاستراتيجيةالتي تم انجازها في عقود مضت.

عندما تكون قدرات امة الاقتصادية،والسياسية،والعسكرية قادرة على التاثير في شؤون العالم،وتبدو مؤكدة بشكل جيد،ونتيجة لذلك،فان الولايات المتحدة الان تنطوي على المخاطرة المالوفة جدا لمؤرخي صعود وانحطاط الامبراطوريات العظيمة،او ما يمكن ان نسميه (( الامتداد الامبراطوري المفرط ))؛ للقول : ان صانعي القرار في واشنطن عليهم مواجهة الحقيقة المحرجة والمستمرة،ان المجموع الكلي للمصالح الامريكية العالمية،والالتزامات في الوقت الراهن اكثر بكثير من قدرة البلاد للدفاع عنها كلها في ان معا.

على عكس القوى السابقة التي تشبتت بمشكلات الامتداد الاستراتيجي،فان الولايات المتحدة ايضا تواجه احتمالية الفناء النووي.-الحقيقة التي يشعر بها الناس،وقد غيرت كليا من طبيعة القوى السياسية العالمية،واذا ما دعت الحاجة الى اللجوء للحرب النووية،فثمة اعتبار ان توقعات الولايات المتحدة تصبح اكثر اشكالية.لان الاسلحة النووية تشكل تهديدا متبادلا للشرق والغرب،فهي ايضا تبدو غير قابلة للاستخدام بشكل متبادل.وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل القوى تزيد من انفاقها عل انتاج الاسلحة غير النووية.من هذا المنطلق اذا ما ظهرت احتمالية المواجهةغير النووية يوما بين القوى العظمى اقليميا او اوسع من ذلك فان ثمة تشابه بالظروف الاستراتيجية بين الولايات المتحدة هذه الايام واسبانيا الامبراطورية او بريطانيا الادواردية في ايامها.وواضح انها اكثر ملائمة في كل حالة انحطاط الدولة رقم واحدلمواجهة تهديدات ليست كثيرة للامن في موطنها في الولايات المتحدة،ان تهزم بواسطة قوة مهاجمة،بعيدة جدا،لكن بالنسبة لمصالح الامة في الخارج-المصالح واسعة الانتشار في كل قارات العالم ،من الصعب جدا الدفاع عنها كلها في ان معا.ومن الصعب بالمستوى نفسه ترك بعضها بدون مواجهة مخاطر اخرى.

* ان شبكة المصالح الامريكية التي تم تنفيذها بعد الحرب العالمية الثانية،في كل ارجاء العالم غير المتصل بريا بالجغرافيا الامريكية،دفعها لتبني عشرة اساطيل بحرية عملاقة خرج الاسطول التاسع من الخدمة.وانشأت قواعد جوية وعسكرية دائمة فهي تتمركز في دول حليفة لها او خاضعة كليا لارادتها.لذلك يمكن القول حقيقة وبلا شك ان الالتزامات الامريكية للحفاظ على امتدادها الامبراطوري المفرط،يواجه تحديات تفوق قدراتها الاقتصادية بسبب تراجعها اقتصاديا وازمة ديونها للحفاظ عليه.لذلك يمكن القول،حقيقة وبلا شك ان الالتزامات الامريكية في الشرق الاوسط (الاكثر اهمية استراتيجية ) وامريكا اللاتينية الحديقة الخلفية الواقعة في نصف الكرة الارضية الغربي وعلى مرمى الحجر من الولايات المتحدة.اكثر الاقاليم تحديا للسياسات الامريكية.

في الشرق الاوسط هنا الاقليم الممتد من المغرب في الغرب حتى افغانستان في الشرق،حيث تواجه الولايات المتحدة مجموعة من الصراعات والمشاكل تجعل من مجرد ادراجها يجعل الواحد منا بلا انفاس.انها منطقة تحتوي على فائض امدادات النفط العالمية التي تعد عرضة للاختراق من الدول الصاعدة اقتصاديا،على النحو الذي يدفع الى الدعم الذي لا يتزعزع لجعل الكيان الصهيوني القاعدة العسكرية المتقدمة اقوى قوة عسكرية في الاقليم لتحاشي كارثة هزيمة ١٩٧٩ في ايران.التي فقدت فيها امريكا اهم ركائزها الثلاث( ايران،وتركيا وباكستان )،ولبنان المشؤوم في مغامرة ١٩٨٣ التي راح ضحيتها المئات من قوات المارينز.كما انها تواجه التعقيدات الدبلوماسية بسبب العداء الجماهيري في دول تعد موالية للغرب

( مصر،السعودية،الاردن والامارات الخليجية ).

* في امريكا اللاتينية ايضا تحديات متنامية للمصالح الوطنية للولايات المتحدة الامريكية.حيث قامت حكومات وطنية مناوئة للهيمنة الامريكية،ونسجت علاقات اقتصادية مع الصين ودخل بعضها في منظومة البريكس.لكن الاهمية الاقتصادية للقارة اللاتينية تكمن في تاثيرها وتداعياتها على الاقتصاد الامريكي،اذا ما ظهرت ازمة ديون عالمية في اي مكان في العالم،محدثة صدمة كبيرة لنظام الائتمان العالمي،وللبنوك الامريكية بشكل خاص فانها تبدا من هذا الاقليم.وكما هو الحال فان مشكلات امريكا اللاتينية الاقتصادية لم تخفض مستوى الائتمان لكثير من البيوت المصرفية الامريكية البارزة.ولكنها ساهمت في انخفاض كبير في الصادرات الصناعية الامريكية لذلك الاقليم.

لقد شهدت امريكا اللاتينية تغيرات متسارعة وملحوظة .وانفجار سكاني صار يضغط بشكل اكثر صعوبة على الموارد المتوفرة وعلى الحكومات المحافظة القديمة .مما ادى الى حركات اجتماعية من اجل اصلاحات دستورية واجتماعية،وثورات راديكالية دفعت في المقابل الولايات المتحدة للتدخل المباشر.وجاء تدخلها الاخير في فنزويلا تعبيرا عن ازمة واشنطن في تلك القارةبذريعة تهريب المخدرات.

في سياسة ترامب المعلنة (سنجعل من امريكا دولة عظيمة)،وضع سوق الاوراق المالية المتمثل في الوول ستريت ضمن اولوياته لانه ينتج ثروة لا ينخرط فيها قوى عاملة .ومكافحة الاتجار بالمخدرات يعد جزءا مهما من محاربة الوول ستريت.يعود ذلك الى ان كمية الفوائد المتولدة سنويا من تجارة المخدرات،اذا عرفت بالشكل الصحيح،هي اكثر الاسرار المحروسة في العالم.والمال النقدي المتولد عن نمو صناعة وتسويق المخدرات .لان هذا المال غير شرعي،وبحاجة الى اخفاء وتغطية،ويحتاج الى عملية غسيل قبل ان يتم استخدامه علنا.انه ليس فقط راسمال رخيص وسري،ولكنه راسمال يجب ان يودع في مكان شرعي قبل استخدامه.اي تحويله من اللاشرعي الى الشرعي.في مكان يعرف احد ما يجري.الجهل هناك -وخاصة عملية غسيل الاموال عملاقة-وليست قابلة للتنفيذ .نسبة عالية من هذه الاموال تجد في الوول ستريت مقرا لها.

في اواخر حزيران ١٩٩٩ قام رئيس مجلس ادارة بورصة نيويورك ديك جراسو Dick Grasso بزيارة الى كولومبيا وقابل قائد منظمة (( فارك )) FARC الثوار الذين يسيطرون على الثلث الجنوبي للبلاد.تم الابلاغ عن زيارته السرية في الاسوشييت بريس،وبشكل لافت وعلني ،صرحت ان جراسو طلب من الثوار الكلومبيين لاستثمار اموالهم في وول ستريت.تقوم منظمة فارك بجني الاموال من الضريبة التي تفرضها على تجارة الكوكايين.

في كل العمليات غير الشرعية في عام ١٩٩٩ تبقى عملية انتاج وغسيل اموال المخدرات الاساس .لانها تنشيء قنوات لتدفق اموال الجريمة.في عام ٢٠٠١ وحسب تقرير صندوق النقد الدولي فانه تم غسل اموال تقدر بواحد ونصف ( 1.5 ) ( تريليون دولار.وحسب تقرير الامم المتحدة في عام ١٩٩٧ شكلت تجارة المخدرات ثمانية بالمئة من تجارة العالم وقدرت صناعةالمخدرات عام ٢٠٠٠ باكثر من تسعمائة بليون دولار .الاقتصاد الامريكي الاكثر تاثرا بهذه الاموال.

*اذا اخذنا بالاعتبار المصالح الامريكية في شرق اسيا وما تواجهه من تحديات اليابان والصين وكوريا الجنوبية .بالاضافة الى مصالحها في اوروبا والاعباء الثقيلة والمكلفة على امريكا لقيادتها للناتو.تجعل من الصعب على رئيس مثل ترامب وطاقمه ان يحافظ على شبكة المصالح الامريكية.وعلى الرغم من جبروت امريكا وقوتها العسكرية فقد صار في حكم المستحيل عليها ان تبقى القوة رقم واحد في الشؤون الدولية والابقاء على شبكة مصالحها.الورطة الامريكية ( The dilemma ) لا مخرج منها فاما الانحطاط والهبوط الى القاع،او قبول كونها احد القوى العظمى الصانعة لنظام دولي متعدد الاقطاب وعادل.

هناك مقولة سياسية تقول: (( الدول القوية لا تتبجح،بل الدول الضعيفة هي الاكثر تبجحا)).

هل تبجحات ترامب المتكررة انعكاس لذلك؟

مهندس زياد ابو الرجا

الأكثر قراءة دواء مبتكر من شجرة الصنوبر السيبيرية يفتح آفاقا جديدة لعلاج السمنة
مركّب طبيعي من شجرة الصنوبر السيبيرية يشكل بديلا أكثر أمانا لأدوية إنقاص الوزن
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً