قسد إلى نهايتها الوظيفية: لماذا سقط مشروعها قبل أن تُهزم عسكريا؟
مقالات
قسد إلى نهايتها الوظيفية: لماذا سقط مشروعها قبل أن تُهزم عسكريا؟
وائل المولى
19 كانون الثاني 2026 , 13:07 م

لم يكن المشهد الميداني المتسارع جدا وتراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أمام الدولة السورية الجديدة والعشائر نتيجة ضربة عسكرية حاسمة أو تسوية سياسية مفاجئة، بل جاء بوصفه حصيلة تراكمية لانهيار طويل في شرعيتها السياسية والاجتماعية والوظيفية. فما يشهده شرق الفرات اليوم لا يمكن فهمه كتحرك عسكري محدود، بل كنهاية مشروع فشل في التحول من سلطة أمر واقع إلى كيان قابل للحياة والاستمرار.

‏منذ سيطرتها على المنطقة، ارتبط اسم قسد بملف شديد الحساسية في الوعي السوري وهو غياب الموارد الطبيعية ،وبالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، لم تُقدَّم قسد كحامٍ للثروة الوطنية، بل كجهة فصلت النفط والغاز والمياه عن المجتمع، وربطتها بترتيبات دولية لم تنعكس على حياة الناس. هذا الشعور لم يقتصر على مناطق سيطرة دمشق سابقاَ ولاحقاَ ، بل كان حاضرا بقوة داخل البيئة العربية في شرق الفرات حيث أن الثروة الطبيعة لم تنعكس على الخدمات الأساسية لهم ، حيث تراكم احتقان صامت سرعان ما ظهر مع أول اختلال في ميزان القوة.

‏في الوقت نفسه، خسرت قسد الغطاء العشائري الذي شكّل أحد أعمدة استقرارها. ومع تراجع التوافق العربي الإقليمي خاصة السعودية والإمارات بشكل أساسي ، وجدت العشائر نفسها بلا ضمانات حقيقية داخل مشروع “الإدارة الذاتية”، مما دفعها إلى إعادة التموضع وفتح قنوات مباشرة مع الدولة السورية الجديدة،ومع خروجها من المعادلة، فقدت قسد أحد أهم مصادر التوازن الداخلي.

‏إقليميا، واجهت قسد موقفا تركيا ثابتا يعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني، ويرفض تحويلها إلى كيان معترف به. هذا الرفض أغلق أي أفق لتدويل مشروعها سياسيا، وقيّد سقف الحماية الدولية، مؤكدا أن الدور المتاح لها مؤقت ووظيفي.

‏أما على مستوى الإدارة، فقد أخفقت قسد في إنتاج نموذج حكم مستقر. حيث لم تُبنَ بنى تحتية سيادية، ولا مؤسسات قادرة على الصمود، وبقي الاعتماد قائما على ما تبقى من مؤسسات الدولة السابقة. كما ساهم العناد والتعنت وعدم الأخذ بالمشورة والقرارات الغير مدروسة و النمط الأمني وتغييب النخب المحلية الفاعلة ، في تعميق القطيعة مع المجتمع، وتحويل أي أزمة إلى تهديد وجودي.

‏الخطأ الاستراتيجي الأبرز كان الرهان المطلق على واشنطن، التي كانت وشك تسليم المنطقة للنظام السابق عام 2019 لولا التدخل الإسرائيلي الذي حال دون ذلك آنذاك خلال ولاية ترامب الأولى .

‏وواضح منذ ذلك الوقت أن واشنطن تعاملت مع قسد كورقة مؤقتة لا كحليف طويل الأمد. ومع انكشاف هذا الرهان، دخلت قسد مرحلة فقدان الضمانات والحاضنة والمشروع معًا.

‏وانعكس ذلك جغرافيا في مسار انكفاء متدرج من الشيخ مقصود إلى دير حافر، فالطبقة والرقة ودير الزور، وصولًا إلى حصر الوجود الكردي في مناطق الغالبية الكردية كالقامشلي ومحيطها وكوباني. وحتى الحسكة لن تبقى مطروحة كمنطقة سيطرة منفردة، ما أعاد طرح مقترحات إدارية قديمة، كإحداث محافظة شمالية تراعي الخصوصية الثقافية الكردية والأشورية ضمن إطار الدولة.

‏في هذا السياق، جاءت الاتفاقية بين الحكومة السورية وقسد لتكرّس نهاية الدور التنظيمي للأخيرة، عبر دمج عناصرها فرديا ضمن مؤسسات الدولة، وإنهاء المظاهر العسكرية، ونقل ملفات سيادية كالسجون ومخيمات داعش إلى الدولة، وإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني والمقاتلين الغير السوريين. وهي خطوات تعكس انتقالا من منطق السيطرة إلى الاحتواء.

‏بهذا المعنى، لم تُهزم قسد في معركة واحدة، بل سقطت تحت وطأة تناقضاتها. وما نشهده اليوم ليس نهاية تنظيم فحسب، بل نهاية مرحلة من إدارة الصراع عبر الوكلاء. ويبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الدولة على حماية كل المكونات ورعايتهم وعدم تكرار ماحصل في الساحل والسويداء والعمل على فكرة انتصار سوريا وليس طرف على آخر وتحويل استعادة النفط والغاز إلى فارق ملموس في حياة السوريين.

‏وهنا لم يعد السؤال: لماذا تراجعت قسد؟ بل: ماذا بعد نهاية مشروعها؟ والأهم من ذلك، هل ما حصل في الشمال والشرق مرشّح لأن يتكرر في الجنوب أيضا؟

المصدر: موقع اضاءات الإخباري