ما بعد المهلة الأميركية … تسوية كبرى أم مواجهة مفتوحة
مقالات
ما بعد المهلة الأميركية … تسوية كبرى أم مواجهة مفتوحة
وائل المولى
20 شباط 2026 , 07:40 ص

لم يعد المشهد الإقليمي مجرد تبادل تهديدات تقليدي بين واشنطن وطهران، بل بات سباقاً مع الزمن بين دبلوماسية مُعلنة وتحشيد عسكري صامت. التصريحات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض، وحديث الرئيس الأميركي عن أولوية الحلول الدبلوماسية، ترافقت مع مهلة زمنية لا تتجاوز 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق مع إيران، ما يعكس إيقاعاً متسارعاً يختصر المسافة بين المفاوضات والمواجهة.

الرئيس الأميركي لوّح صراحة بإمكانية استخدام قاعدة دييغو غارسيا في حال فشل الاتفاق، فيما بدأت وزارة الدفاع الأميركية نقل مقاتلات وطائرات تزويد بالوقود من قواعد في بريطانيا إلى مواقع قريبة من الشرق الأوسط. في المقابل، أكدت طهران في رسالة إلى الأمم المتحدة أنها سترد “بحزم وتناسب” على أي عدوان، محمّلة واشنطن المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات خارجة عن السيطرة.

هذا التوازي بين العصا والجزرة ليس جديداً في العلاقة الأميركية – الإيرانية، لكنه اليوم يجري في سياق مختلف انسحاب محتمل للقوات الأميركية من سوريا وفق تقارير صحفية أميركية، ورفض بريطاني لمنح إذن باستخدام قواعدها في ضربات على إيران، ومناخ دولي يتحدث عن نهاية “النظام العالمي القديم” كما ألمح وزير الخارجية الأميركي، وكما عبّر عنه مستثمرون كبار يرون أن العالم يدخل مرحلة انتقالية خطرة.

الحرب البحرية … مخاطرة أم ورقة ضغط؟

الحديث الإيراني عن استهداف حاملات الطائرات الأميركية يندرج في إطار الردع أكثر منه إعلان نية مباشرة. من الناحية العسكرية، تبقى حاملات الطائرات أهدافاً شديدة التحصين، لكن طبيعة الحروب الحديثة تجعل تعطيلها ممكناً عبر تكتيكات معقدة تشمل الصواريخ الباليستية الدقيقة، والطائرات المسيّرة بأعداد كبيرة، والهجمات المتزامنة متعددة الجبهات. غير أن أي مواجهة بحرية واسعة ستبقى مغامرة عالية الكلفة للطرفين، ولن تكون كافية وحدها لحسم حرب شاملة.

التقديرات تشير إلى أن واشنطن، إن قررت العمل عسكرياً، ستعتمد بصورة أكبر على سلاح الجو المتمركز في قواعد إقليمية، مع إبقاء القطع البحرية في نطاق أمان بعيد نسبياً عن السواحل الإيرانية. وفي المقابل، تراهن طهران على عمقها الجغرافي، وشبكات الردع الصاروخي، وقدرتها على إطالة أمد أي مواجهة بما يحوّلها إلى حرب استنزاف مكلفة.

الصفقة الكبرى … تنازلات أم إعادة تموضع؟

في موازاة التصعيد، تتسرب معطيات عن استعداد إيراني لتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3%، وفتح باب استثمارات ضخمة قد تصل إلى تريليوني دولار، والسماح بشراء معادن نادرة، إضافة إلى استخدام الأموال المجمدة في صفقات مدنية وعسكرية. إن صحت هذه المؤشرات، فهي لا تعني بالضرورة ضعفاً إيرانياً، بل قد تعكس محاولة للعب بلغة المصالح الاقتصادية التي يفضلها البيت الأبيض.

إيران تدرك أن تقديم عرض اقتصادي مغرٍ يضع الكرة في الملعب الأميركي، ويمنحها هامشاً لتحسين صورتها دولياً، وفي الوقت ذاته شراء الوقت لتعزيز جاهزيتها الدفاعية. أما واشنطن، فتوازن بين رغبتها في منع امتلاك طهران قدرات نووية عسكرية، وبين تجنب حرب طويلة قد تستنزفها في لحظة تحولات جيوسياسية كبرى.

إسرائيل بين القلق والضغط؟ 

تخشى إسرائيل من سيناريو حرب طويلة تتعرض خلالها جبهتها الداخلية لوابل غير مسبوق من الصواريخ. تقديرات أمنية إسرائيلية سابقة تحدثت عن قدرة أنظمة الدفاع الجوي على التعامل مع أعداد محدودة زمنياً، لكن أي تصعيد ممتد قد يخلق واقعاً مختلفاً. لذلك تمارس تل أبيب ضغطاً مكثفاً على واشنطن لمنع اتفاق ترى فيه “تنازلاً خطيراً”، مفضلة ضربة سريعة وحاسمة إن وقعت الحرب.

العالم الجديد … تحالفات قيد التشكل؟

ما يجري لا يقتصر على نزاع ثنائي. الصين وروسيا تراقبان وتتحركان بهدوء. بكين، التي توسّع نفوذها الاقتصادي عالمياً، لن تقف متفرجة إذا ما تبدلت موازين القوى جذرياً في الخليج. الحديث عن “عالم جديد” ليس شعاراً سياسياً، بل توصيف لمرحلة تتشكل فيها تحالفات غير تقليدية، حيث قد يتحول خصوم الأمس إلى شركاء الغد والعكس صحيح.

خلاصة المشهد 

يبدو أننا نحن أمام احتمالين متناقضين:

إما اتفاق في جنيف يؤسس لمرحلة تهدئة طويلة نسبياً تعيد رسم قواعد الاشتباك،

وإما انزلاق إلى مواجهة متعددة الساحات قد تغيّر وجه المنطقة لعقود.

الحرب ممكنة، لكنها مكلفة للجميع.

والاتفاق ممكن، لكنه يتطلب تنازلات مؤلمة.

بين دييغو غارسيا وجنيف، وبين مهلة الأيام الخمسة عشر ورسائل الأمم المتحدة، يقف الشرق الأوسط على حافة قرار سيحدد شكل النظام الإقليمي المقبل تسوية كبرى تعيد توزيع المصالح… أم صدام واسع يفتح أبواب المجهول ؟

المصدر: موقع اضاءات الإخباري
الأكثر قراءة أسباب ظهور البقع الحمراء على الجسم وعلاجها
أسباب الحساسية الجلدية وعلاجها
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً