تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد مع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لم تعد هذه الحرب مجرد صراع عسكري محدود، بل تحولت إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الجبهات من الخليج إلى شرق المتوسط، وتتشابك فيها ملفات الأمن والطاقة والاستقرار السياسي.
في قلب هذه الأزمة جاء قرار إيران بإغلاق مضيق هرمز كواحدة من أهم أوراق الضغط الاستراتيجية. فالمضيق الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم أصبح أداة سياسية تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة ودول الخليج من أجل وقف الحرب وفتح باب التفاوض. ومع ارتفاع المخاطر على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، بات واضحا أن استمرار التصعيد قد يقود إلى أزمة دولية أوسع تتجاوز حدود المنطقة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن إيران نجحت إلى حد كبير في نقل طبيعة المعركة. فبعد أن كان الهدف المعلن للحرب يتمثل في إسقاط النظام الإيراني وتدمير منشآته النووية، تحولت المواجهة تدريجيًا إلى معركة تتمحور حول فتح مضيق هرمز وما يترتب على إغلاقه من أزمة اقتصادية عالمية، تشمل تضخما اقتصاديا واسعا وارتفاعا حادا في أسعار النفط وتهديدا مباشرا لاستقرار أسواق الطاقة الدولية.
في الوقت نفسه، لم تبقِ الحرب محصورة في الخليج. فقد أصبح لبنان جزءًا من معادلة الصراع الكبرى، خصوصًا مع انخراط حزب الله في المواجهة بوصفه جزءًا من محور إقليمي ولديه تصفية حساب مع اسرائيل . ومع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، تزداد المخاوف من توسع الحرب إلى مواجهة أوسع قد تكون لها تداعيات كارثية على لبنان والمنطقة بأكملها.
هذا الترابط بين الجبهات جعل من الواضح أن أي محاولة للحل لا يمكن أن تكون جزئية أو منفصلة. فالأزمة اللبنانية باتت مرتبطة بشكل مباشر بمسار الحرب الإقليمية، كما أن ملف أمن الملاحة في الخليج أصبح جزءًا من معادلة التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.
وقد ازداد هذا التعقيد بعد ورود معلومات عن رفض حزب الله للمبادرة الفرنسية الخاصة بلبنان، إذ اعتبرها الحزب مبادرة منحازة لإسرائيل، كما أنها بحسب رؤيته تتعامل مع الأزمة بوصفها ملفا لبنانيا منفصلا، من دون الأخذ في الاعتبار البعد الإقليمي للحرب وارتباطها المباشر بالمواجهة مع إيران. هذا الرفض يعكس قناعة متزايدة لدى القوى الفاعلة في المنطقة بأن أي تسوية حقيقية يجب أن تكون شاملة، لا أن تقتصر على ساحة واحدة.
في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى دور دبلوماسي جديد تقوده دول قادرة على التواصل مع جميع الأطراف دون أن تُعتبر طرفا في الصراع. وهنا تظهر مجموعة من الدول الأوروبية التي تمتلك تقليدا طويلا في الوساطة الدولية، وفي مقدمتها إيطاليا وسويسرا وألمانيا والسويد.
تتمتع هذه الدول بسمعة دبلوماسية تقوم على الحياد النسبي والعمل السياسي الهادئ، كما أنها تحافظ على قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. وغالبا ما لعبت مثل هذه الدول أدوارا مهمة في إدارة الأزمات الدولية عندما تتراجع فرص الوساطات التقليدية.
لكن من بين هذه الدول، تبدو إيطاليا الأكثر قدرة على لعب دور محوري في أي مبادرة وساطة محتملة. فموقعها داخل المنظومة الأوروبية والغربية يمنحها القدرة على التواصل المباشر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه لا تُنظر إليها في الشرق الأوسط كقوة صدامية أو متورطة في سياسات المواجهة.
إضافة إلى ذلك، تمتلك روما حضورا مباشرا في لبنان من خلال مشاركتها في بعثة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وهي القوة الدولية المعروفة باسم اليونيفيل، حيث تلعب القوات الإيطالية دورا مهما في حفظ الاستقرار في جنوب لبنان. هذا الوجود يمنحها معرفة ميدانية بالواقع اللبناني ويعزز قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف المحلية والدولية.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن لإيطاليا، بالتعاون مع دول أوروبية مثل سويسرا وألمانيا والسويد، أن تقود مسارا دبلوماسيا يهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة. مثل هذا المسار قد يبدأ بمحاولة تثبيت الاستقرار في لبنان، بالتوازي مع إطلاق حوار دولي حول أمن الملاحة في مضيق هرمز وسبل منع تحول الأزمة الحالية إلى مواجهة إقليمية شاملة.
إن دخول هذه الدول الأوروبية على خط الوساطة قد يفتح نافذة جديدة للحل في لحظة تبدو فيها الدبلوماسية الدولية شبه غائبة. وفي زمن الحروب الكبرى، قد تكون المبادرات السياسية الهادئة التي تقودها دول غير منخرطة مباشرة في الصراع هي الفرصة الواقعية الوحيدة لوقف التصعيد وإعادة إطلاق مسار التفاوض.