انكسار السردية …المعضلة المعنوية التي تطارد نتنياهو أمام حزب الله..
مقالات
انكسار السردية …المعضلة المعنوية التي تطارد نتنياهو أمام حزب الله..
عباس المعلم
15 آذار 2026 , 14:06 م

بقلم ( عباس المعلم )

في الحروب الحديثة لا تُقاس النتائج بميزان النار وحده، بل بميزان السرديات التي تُبنى في وعي الشعوب والجيوش. فحين تتصدّع الرواية التي صاغها القادة لتبرير قوتهم وتثبيت هيبتهم، يصبح الخلل المعنوي أخطر من أي خسارة ميدانية. وفي هذا السياق تحديداً تتكشف معضلة حكومة الاحتلال اليوم في مواجهتها مع حزب الله..

إن مشكلة بنيامين نتنياهو اليوم مع حزب الله ذات طابعٍ معنويّ في المقام الأول، أكثر منها إشكالاً ميدانياً صرفاً. فالحزب، على الرغم من وطأة الضربات اليومية التي يتعرض لها، أظهر قدرة عسكرية متماسكة ونجاعة عملياتية منتظمة على مختلف المستويات، تُدار عبر منظومة تحكّم وسيطرة تبدو ـ في تقديرات كثيرة ـ قريبة من بلوغ عتبة نجاح تناهز تسعين في المئة.

غير أن ما يثقل كاهل رئيس حكومة العدو، ومعه وزير حربه يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير وقادة الأجهزة الاستخبارية المتعددة، ليس حجم القدرة النارية التي يمتلكها الحزب ولا الجرأة العملياتية التي يبديها فحسب؛ بل ما هو أخطر من ذلك: انكسار السردية المعنوية التي اجتهد نتنياهو وحكومته ومؤسساتهم العسكرية والأمنية في تشييدها طوال خمسة عشر شهراً.

لقد بُنيت تلك السردية على فرضية حاسمة مفادها أن حزب الله قد انتهى عسكرياً وأمنياً، وأنه لم يعد سوى تنظيمٍ يتلقى الضربات تباعاً عاجزاً عن رفع رأسه أو المبادرة إلى الرد. وقد تكررت هذه الفرضية في خطابات نتنياهو وتصريحات قادة الكيان بنبرةٍ من التعالي والتشفّي، حتى بلغ الأمر حدّ الجزم بأن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة لن تلقى ردّاً يذكر، وأن الحزب سيضطر إلى ابتلاع الضربة تحت وطأة الاختلال في موازين القوى.

غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما أخذت تنخر هذه الرواية من داخلها. فإقدام الحزب على فتح النار رداً على الاعتداءات، ثم تثبيت معادلة الرد المفتوح، شكّل خرقاً مباشراً للبنية النفسية التي سعت القيادة الإسرائيلية إلى ترسيخها في وعي مجتمعها، ولا سيما لدى سكان شمال فلسطين المحتلة الذين أُريد لهم أن يقتنعوا بأن الجيش الإسرائيلي يعيش واقعاً أمنياً مستقراً على الحدود مع لبنان لم يعرفه حتى قبل عام 2000.

ومن هنا يتبدّى عمق الغضب الذي يعتمل داخل دوائر القرار لدى نتنياهو وكاتس وزامير. فالمسألة لم تعد تتعلق بمواجهة عسكرية محدودة، بل بانهيار صورة الردع التي صاغتها المؤسسة الإسرائيلية بعناية لتثبيت ثقة جمهورها بجيشها ودولتها.

إن كسر السردية أخطر من كسر الخطوط الأمامية؛ لأن الرواية حين تنهار، يبدأ معها تصدّع الثقة بين القيادة وجمهورها. ولهذا، فإن ما يلوح في الأفق ليس مجرد سجال سياسي عابر، بل احتمال فتح باب مساءلة قاسية داخل الكيان نفسه، قد لا يقل وقعها عن التحقيقات الجارية في إخفاق السابع من اكتوبر ، وستكون ما سيُعرف بأحداث ٢ آذار 2026 . عندها فقط سيكتشف نتنياهو أن أخطر ما واجهه لم يكن صاروخاً أُطلق من الحدود… بل رواية انهارت في الوعي الإسرائيلي قبل أن تسقط في الميدان.

عباس المعلم - كاتب سياسي