ليست طهران مدينة تقرأ على الخرائط فحسب، بل نص حضاري مفتوح، تتلى سطوره حين تشتد العواصف، وتفهم حروفه حين تختبر الأمم معنى السيادة. ففي اللحظة التي راهن فيها خصومها على تفكيك الداخل، وتشتيت الوعي، وضرب الاستقرار عبر محاولة نشر الفوضى الخلاقة وزعزعة أمن البلاد واستقرارها، كان الملايين من أبناء الشعب العريق العتيق العظيم يقدم درسا في التزاحم على التراحم، وفي التلاحم بين الأمة وقيادتها، مسقطا أخطر مخطط استهدف إعادة البلاد إلى ماقبل كرامة الثورة الإسلامية واستقلال القرار.
لقد تبين وفق ما أعلن رسميا وما تداولته تقارير وتحقيقات موثوقة، أن محاولات استغلال الإحتجاجات المشروعة، وركوب موجاتها، وبث البلبلة، لم تكن معزولة عن تدخلات خارجية سعت إلى انهاك الدولة لكسر الإرادة الوطنية. وقفت خلقها آياد قذرة ببصمات إستخبارات الطاغوتين الأكبر والأصغر إضافة للاستخبارت البريطانية. غير أن يقظة الشارع الإيراني، وتماسك مؤسساته، وتكامل أدوار الحرس الثوري والجيش والأجهزة الأمنية، أسقطت الرهان، وحولت الامتحان إلى شهادة جديدة على نضج الدولة وصلابة المجتمع.
وفي قلب هذه المعادلة، برزت حكمة القيادة، وجرأة الموقف، وثبات الإيمان؛ حيث بدا واضحا أن المرجعية العليا لم تدار اللحظة بمنطق الانفعال، بل بمنطق المسؤولية التاريخية. فحين تتقدم البصيرة على الضجيج، يسقط التضليل، ويتقدم الوطن. { والله خير الماكرين}. آية تستعاد لا للتشفي، بل للتذكير بأن الحق إذا استقام، بطل كيد العابثين.
ولمن أراد مزيد من إدراك للحقائق، فلينصت إلى الكلمة الرصينة التي قالها الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي مؤخرا في حق الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومواقفها الثابتة تجاه المسجد الأقصى المبارك والقضية المركزية، وحجم الضغوط والتكالب عليها، وليراجع تحليلات أقلام عربية وازنة تناولت المشهد بعين نقدية مسؤولة. فالمواقف تقاس بثباتها عند الامتحان، لا بضجيجها عند الرخاء.
ولايفوتنا أن نؤكد أن دفاع إيران عن القرآن الكريم ليس طارئا ولا ظرفيا؛ هو موقف مبدئي متجذر، يتجدد كلما تعرض كتاب الله للإساءة، دفاعا عن قدسية المعنى، وصونا لكرامة الإيمان { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. وعد إلهي يتجلى حين تتلاقى الإرادة الشعبية مع المسؤولية السياسية.
خلاصة فولي: ماجرى في طهران شهادة على أن الأمم الحية تحبط المؤامرات بالتوكل على الله أولا وبوحدة الصف، ونقاء البوصلة، وحسن إدارة الاختلاف. ومع الإنتصار، يبقى الحذر واجبا، فالخصومة لا أمان لها، لكن التاريخ علمنا أن من يحرس وعيه يحرس وطنه.