بقلم ( عباس المعلم )
قبل أسبوعين فقط، من بدء الحرب على ايران ولبنان كان المشهد يبدو وكأنه لقطة دعائية مُحكمة الإخراج.
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يجلس في أقصى شمال فلسطين، في كريات شمونة، محاطاً بضباط الجبهة الشمالية وأعضاء مجالس المستوطنات. كان يتحدث بنبرة المنتصر الذي يكتب خاتمة التاريخ بيده، لا مجرد فصل منه. لغة واثقة، متعالية، حاسمة… كأنها بيان إغلاق لملف اسمه الحدود مع لبنان.
قال لهم حرفياً: لقد غيرنا الواقع على هذه الحدود كلياً. لم يحدث ذلك منذ عقود. أنتم اليوم في أمان مطلق. انظروا ماذا حلّ بحزب الله، أين هو الآن؟ نضربه حيث نشاء، ولا يستطيع أن يرفع رأسه.
بل مضى أبعد من ذلك حين قال إن المدينة التي كانت تُعرف لعقود باسم “كريات كاتيوشا” أو حتى “كريات حزب الله” قد استعادت اسمها الأصلي: كريات شمونة. وأضاف بنبرة القطع: هذا الأمر انتهى إلى الأبد.
لكن “الأبد” في الشرق الأوسط، كما يبدو، وحدة زمنية قصيرة جداً.
فخلال أسابيع قليلة فقط تبخر ذلك الأبد كضبابٍ خفيف فوق الحدود. وعادت المدينة إلى أسمائها القديمة، بل ربما إلى ما هو أبعد منها.
في عشرة أيام فقط تعرضت كريات شمونة لعشرات الإطلاقات من صواريخ حزب الله على اختلاف أسمائها وأحجامها، وانتشر الدمار في أحيائها على نحو يصفه كثيرون بأنه أوسع مما شهدته في حرب تموز 2006، بل وحتى في جولات أيلول 2024.
هكذا عاد الحزب الذي قيل إنه لا يستطيع رفع رأسه ليرفعه. ومعه اليد التي تبدو دائماً الأقرب إلى تلك المدينة، اليد التي ما زالت تعرف الطريق جيداً إلى ما يسميه كثيرون اليوم من جديد: كريات كاتيوشا.
والمفارقة الثقيلة أن ما انتهى “إلى الأبد” لم يكن عودة الصواريخ، بل عودة المدينة إلى اسمها الرسمي في الخطابات فقط. أما كلمات نتنياهو عن الأمان المطلق والحسم النهائي، فهي اليوم مجرد تسجيل قديم لجلسة امتلأت بالتصفيق قبل أسابيع.
فهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالحدود الشمالية لم تكن يوماً مجرد خط جغرافي، بل ميزان دقيق بين ردع وردع مضاد، بين خطاب سياسي متضخم وواقع ميداني لا يعترف كثيراً بالمؤتمرات الصحفية.
ما جرى في كريات شمونة ليس مجرد تبادل نيران عابر، بل سقوط سريع لرواية كاملة قيلت بثقة مفرطة. فالحروب في هذه المنطقة لا تُحسم في الخطابات، بل في قدرة كل طرف على إقناع الآخر بأن كلفة الضغط ستكون أعلى من كلفة التراجع.
ولهذا تبدو المفارقة اليوم أكثر قسوة من مجرد تبادل صواريخ ،،الرجل الذي وقف في كريات شمونة ليعلن انتهاء زمن “كريات كاتيوشا”… بات اليوم عاجزاً عن الوقوف فيها من جديد.
ليس لأن المدينة تغيّرت كثيراً،
بل لأن الواقع تغيّر أسرع من خطاب الانتصار.
وهكذا، بين خطاب “الأبد” الذي أطلقه نتنياهو، وواقع الأيام القليلة التي أعادت الصواريخ إلى سماء المدينة، تتجسد المفارقة الاستراتيجية كاملة:
الانتصارات التي تُعلن بسرعة… غالباً ما يُبطلها الميدان بسرعة أكبر.
أما السخرية السياسية الأوضح، فهي أن نتنياهو الذي جاء إلى كريات شمونة ليطمئن سكانها بأنهم يعيشون “أماناً مطلقاً”، بات اليوم هو نفسه لا يستطيع العودة إليها…
إلا بعد أن يحصل على ضمانة بسيطة جداً من الطرف الذي أعلن هزيمته:
أن يتوقف حزب الله أولاً عن إطلاق النار.
وفي منطقتنا والصراع مع العدو ومع فأرق التوازنات، هذه ليست مفارقة عابرة…بل تعريف عملي لما يسمى أحيانا النصر في الخطابات والواقع في الميدان ..
عباس المعلم - كاتب سياسي