توصل علماء من جامعة فرجينيا (University of Virginia) بالتعاون مع مستشفى ماونت سايناي إلى اكتشاف علمي بالغ الأهمية يفسر لغزا طبيا حيّر الأطباء لعقود: لماذا يموت أكثر من نصف مرضى مرض الكلى المزمن في نهاية المطاف بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.
ووفقا للدراسة الجديدة، فإن الكلى المصابة بمرض مزمن تُنتج مواد تنتقل عبر الدم وتسمم القلب مباشرة، مما يؤدي إلى فشل قلبي تدريجي قد يكون قاتلًا.
وقد نُشرت نتائج البحث في مجلة Circulation الطبية المرموقة.
مرض الكلى المزمن وأثره الواسع على الصحة العامة
بحسب المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، يؤثر مرض الكلى المزمن على:
أكثر من واحد من كل سبعة أمريكيين
نحو 35 مليون شخص داخل الولايات المتحدة
كما يعاني:
نحو ثلث مرضى السكري من مرض الكلى
حوالي خُمس مرضى ارتفاع ضغط الدم من درجات مختلفة من القصور الكلوي
وترتبط شدة أمراض القلب بشكل مباشر بدرجة تدهور وظائف الكلى، إلا أن السبب الدقيق لهذا الارتباط ظل غير واضح حتى الآن.
لغز العلاقة بين الكلى والقلب

رغم توثيق العلاقة الوثيقة بين مرض الكلى المزمن وأمراض القلب، واجه العلماء صعوبة في تحديد السبب المباشر، وذلك بسبب تشابك عوامل الخطر المشتركة مثل:
السمنة
ارتفاع ضغط الدم
داء السكري
ولم يتمكن الباحثون سابقا من تحديد عامل خاص بالكلى نفسها يكون مسؤولًا عن إحداث الضرر في القلب.
الاكتشاف الجديد: حويصلات خارج الخلية تفرزها الكلى المريضة
حددت الدراسة الجديدة السبب المباشر، وهو جزيئات دقيقة تُسمى الحويصلات خارج الخلية (Extracellular Vesicles)، تنتجها الكلى المصابة بمرض الكلى المزمن وتنتقل عبر مجرى الدم إلى القلب.
وتُعد هذه الحويصلات وسيلة تواصل طبيعية بين الخلايا، حيث تنقل البروتينات والمواد الوراثية. إلا أن الباحثين اكتشفوا أن:
الحويصلات الصادرة عن الكلى المريضة
تحمل جزيئات RNA صغيرة غير مشفّرة (miRNA)
تكون سامة لعضلة القلب
تجارب مخبرية تؤكد التأثير السام على القلب
أظهرت التجارب التي أُجريت على فئران المختبر أن:
منع دوران هذه الحويصلات في الدم
أدى إلى تحسن ملحوظ في وظيفة القلب
وساهم في تخفيف أعراض فشل القلب
كما قام الباحثون بتحليل عينات بلازما الدم من:
مرضى يعانون من مرض الكلى المزمن
وأشخاص أصحاء
وأكدوا وجود هذه الحويصلات الضارة فقط لدى مرضى الكلى المزمنة.
تواصل الأعضاء: كيف تسمم الكلى القلب؟
قالت الدكتورة أوتا إيردبروغر، الطبيبة والباحثة في أمراض الكلى بكلية الطب بجامعة فرجينيا:
"لطالما تساءل الأطباء عن كيفية تواصل أعضاء الجسم، مثل الكلى والقلب، مع بعضها البعض. تُظهر دراستنا أن الحويصلات القادمة من الكلى يمكن أن تصل إلى القلب وتكون سامة له."
وأضافت أن فهم هذا النوع من التواصل لا يزال في بدايته، لكنه يفتح آفاقا طبية جديدة.
آفاق علاجية وتشخيصية واعدة
تشير نتائج الدراسة إلى إمكانية:
تطوير فحص دم يحدد مرضى الكلى المعرضين لخطر مرتفع للإصابة بفشل القلب
استهداف الحويصلات خارج الخلية دوائيًا
الوقاية من التأثير السام على القلب أو علاجه
وقالت إيردبروغر:
"نأمل في تطوير مؤشرات حيوية جديدة وخيارات علاجية مبتكرة لمرضى الكلى المعرضين لأمراض القلب، بما يعزز الطب الدقيق ويضمن حصول كل مريض على العلاج الأنسب له."
أهمية الاكتشاف في مستقبل الطب الدقيق
يمثل هذا الاكتشاف خطوة كبيرة نحو:
فهم أعمق للعلاقة بين أمراض الكلى والقلب
تقليل معدلات الوفيات القلبية لدى مرضى الكلى المزمنة
تحسين استراتيجيات الوقاية والعلاج المبكر
كما قد يسهم في تغيير أسلوب التعامل الطبي مع مرضى الكلى المزمنة وفشل القلب في المستقبل القريب.