هنا الجنوب ..والذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ ..
مقالات
هنا الجنوب ..والذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ ..
عباس المعلم
23 كانون الثاني 2026 , 11:40 ص


ولا جرمٍ ولا ذنب، إلا أنهم كانوا في بيوتهم آمنين، يُعدّون الإفطار ويتهيّأون للصلاة، ويظنّون أن المساء لا يغدر، وأن السقف لا يخون، وأن الوطن، ولو جائعًا، لا يسلّم أهله للنار. أُخرجوا على وضوءٍ لم يُتمّ ركوعه، وصيامٍ انكسر قبل الأذان، ودعاءٍ عُلّق في الهواء فعاد بلا سماء؛ جاءهم الوعيد من فوق، لا رحمة فيه ولا إنذار نجاة، صوتٌ شيطاني يسبق القذيفة ويهدم القلب قبل الجدار.

وكان الأطفال، يا لوحشة الأطفال، قبل لحظةٍ فقط، دفاترهم على ركبهم، أصابعهم متيبّسة حول المدافئ، وأفواههم مشغولة بحكاياتٍ صغيرة عن مدرسةٍ، عن لعبةٍ، عن يومٍ يشبه الأمس. ثم، في غمضة خوف، انقلب الدفتر ترابًا، والمدفأة حديدًا باردًا، والحكاية صراخًا بلا لغة. في لحظةٍ واحدة تعلّموا الركض بلا اتجاه، والبكاء بلا صوت، وتعلّموا أن يكبر الإنسان دفعةً واحدة حين تسقط السماء على رأسه ولا يجد دولةً تحته.

وأما الدولة اللبنانية، فحدّث ولا حرج: كانت قائمةً لا تقوم، وسيّدةً بلا سيادة، ترى القصف فلا تُنكر، وتسمع الاستغاثة فلا تجيب، وتعلم… وتعلم… ثم تختار الصمت. تحصي الغارات كما يُحصى الوقت الضائع، وتصدر بياناتٍ باردة تدفن بها الجريمة تحت اللغة، وتغسل يديها من الدم بماء الحياد. خلعت الدولة لسانها، وجلست بين الجلاد والضحية متفرّجةً على الخراب، وسمّت العجز حكمة، والخنوع توازنًا، والتخلّي سياسة.

لكن الأرض لا تقرأ البيانات، والبيوت لا تفهم الحياد، والأطفال الذين شاخت وجوههم في ليلة سيعرفون، وسيذكرون، من قصف، ومن صمت، ومن خان. والذين أُخرجوا من ديارهم لن يكونوا أرقامًا في نشرة، ولا هامشًا في تقرير، ولا تفصيلًا مؤجّلًا؛ هم الشهادة، هم الفضيحة، هم السؤال المفتوح في وجه وطنٍ يُقصف من عدوّه… ويُسلَّم من دولته.

عباس المعلم - كاتب سياسي