صراع دولي صامت على أموال القذافي المفقودة في إفريقيا
مقالات
صراع دولي صامت على أموال القذافي المفقودة في إفريقيا
عمر حمد
24 كانون الثاني 2026 , 04:23 ص

‏لم يكن سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011 نهاية فعلية للملف الليبي، بل شكّل وفق قراءات سياسية متعددة بداية مرحلة أكثر تعقيدا وتشابكا، انتقلت فيها الصراعات من ساحات المواجهة العسكرية المباشرة إلى مساحات أقل وضوحًا وأكثر حساسية، تتداخل فيها الأموال والنفوذ وشبكات المصالح الإقليمية والدولية، ويبرز في هذا السياق ملف أموال القذافي المفقودة في القارة الإفريقية كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث تشير تقديرات غير رسمية تداولتها منظمات إفريقية معنية بالشفافية إلى أن قيمتها تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات موزعة بين استثمارات وودائع وأصول غير معلنة، تحوّلت مع مرور الوقت إلى محور تنافس دولي غير معلن، فخلال سنوات حكمه لم يعتمد القذافي على النظام المالي الغربي التقليدي وحده، بل اتجه بحسب تقارير بحثية صادرة عن مراكز دراسات إفريقية إلى بناء شبكة مالية موازية داخل القارة مستفيدًا من علاقات سياسية قديمة ومن ضعف أنظمة الرقابة المالية في عدد من الدول الإفريقية آنذاك، ومع انهيار الدولة الليبية خرجت هذه الأصول من إطار السيادة الواضحة لتدخل في منطقة رمادية قانونيا وسياسيا، ما فتح الباب أمام نزاعات معقدة حول مصيرها وملكيتها، وفي ظل غياب سلطة ليبية مركزية قادرة على تتبع هذه الأموال أو المطالبة بها بشكل مؤسسي، تشير منظمات إفريقية مختصة بمكافحة الفساد إلى أن وسطاء محليين وشركات واجهة لعبوا دورا متزايدا في إدارة أو نقل بعض هذه الأصول، أحيانا تحت عناوين استثمارية مشروعة وأحيانًا ضمن شبكات مالية غير شفافة، وهو ما جعل ملف الأموال الليبية في إفريقيا ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح الدولية، ويرى مراقبون أن تركيا التي عززت حضورها السياسي والاقتصادي في ليبيا بعد عام 2011 تعاملت مع الملف الليبي بما فيه الجانب المالي ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ في شرق المتوسط وشمال إفريقيا، غير أن معطيات متداولة في أوساط بحثية تشير إلى أن جزءًا معتبرًا من الثروة الليبية لم يكن داخل ليبيا أصلًا بل موزعًا في دول إفريقية مختلفة، الأمر الذي دفع أنقرة بحسب تحليلات سياسية إلى توسيع اهتمامها بهذا الملف خارج الجغرافيا الليبية عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية غير مباشرة، وفي المقابل لفتت تقارير صادرة عن مراكز دراسات دولية إلى أن روسيا التي وسّعت حضورها في إفريقيا خلال العقد الأخير تنظر إلى الأصول الليبية المفقودة من زاوية استراتيجية أشمل، حيث يُعتقد أن موسكو ترى في هذا الملف فرصة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في القارة في ظل بيئة إفريقية تعاني أصلًا من هشاشة مؤسساتية وتنافس دولي متزايد، وهكذا تحوّل ملف أموال القذافي إلى ساحة تنافس هادئ لا تُستخدم فيه الجيوش النظامية أو المواجهات المباشرة بل أدوات أكثر تعقيدًا مثل الاستخبارات والشركات العابرة للحدود والوسطاء المحليين والتفاهمات غير المعلنة مع بعض الأنظمة الإفريقية، وتشير منظمات إفريقية مستقلة إلى أن هذا النمط من الصراع المالي–السياسي غالبا ما يجري بعيدا عن الأضواء لكنه يترك آثارًا عميقة على استقرار الدول الهشة، وتكمن الخطورة وفق محللين ليس فقط في ضياع أموال دولة منهارة بل في احتمالية إعادة توظيف هذه الأصول في صراعات جديدة داخل القارة الإفريقية سواء عبر تمويل نزاعات داخلية أو تعزيز شبكات نفوذ سياسية وأمنية أو تكريس أنماط جديدة من عدم الاستقرار تحت مسميات الاستثمار والشراكات الدولية، وفي المحصلة تبقى أموال القذافي المفقودة ملفًا مفتوحًا يعكس طبيعة النظام الدولي القائم على توازنات المصالح أكثر من العدالة، فالصراعات لا تنتهي بسقوط الأنظمة بل تبدأ أحيانا من تحت أنقاضها حيث تُعاد صياغة خرائط النفوذ بالمال وبالصمت الدولي وبشبكات المصالح المعقدة لا بالسلاح وحده.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري