الكشف عن علاقة انقطاع الطمث بتغيرات دقيقة ولكن واسعة النطاق في بنية الدماغ
دراسات و أبحاث
الكشف عن علاقة انقطاع الطمث بتغيرات دقيقة ولكن واسعة النطاق في بنية الدماغ
27 كانون الثاني 2026 , 12:16 م

كشفت دراسة علمية حديثة أن سن اليأس (انقطاع الطمث) يرتبط بتغيرات دقيقة ولكن واسعة النطاق في بنية الدماغ، تشمل انخفاض حجم المادة الرمادية في مناطق مسؤولة عن الذاكرة والتحكم العاطفي، إلى جانب ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم لدى النساء.

الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كامبريدج، تشير إلى أن العلاج الهرموني التعويضي (HRT) لا يمنع هذه التغيرات الدماغية أو النفسية، رغم أنه قد يساهم في إبطاء التراجع المرتبط بالعمر في سرعة الاستجابة الذهنية.

سن اليأس والتغيرات الدماغية والصحة النفسية

أظهرت نتائج البحث أن النساء في مرحلة ما بعد سن اليأس يعانين من انخفاض ملحوظ في حجم المادة الرمادية في عدة مناطق دماغية رئيسية. كما لوحظت زيادة في معدلات المشكلات النفسية، مثل القلق والاكتئاب، إضافة إلى اضطرابات النوم المزمنة.

وقد نُشرت الدراسة يوم 26 يناير 2026 في مجلة Psychological Medicine العلمية المحكمة.

ما هو سن اليأس؟

يمثل سن اليأس المرحلة التي تتوقف فيها الدورة الشهرية نهائيا نتيجة انخفاض مستويات الهرمونات الأنثوية، ويحدث غالبا بين 45 و55 عاما.

وتصاحبه أعراض شائعة مثل:

الهبات الساخنة

تقلبات المزاج

اضطرابات النوم

الشعور بالإرهاق

كما ربطت دراسات سابقة هذه المرحلة بتغيرات في القدرات الذهنية، تشمل الذاكرة والانتباه واللغة.

العلاج الهرموني التعويضي وحدود تأثيره

بسبب هذه الأعراض، تلجأ كثير من النساء إلى العلاج الهرموني التعويضي، خصوصا للتعامل مع الاكتئاب واضطرابات النوم.

وفي إنجلترا، حصلت 15% من النساء على وصفات علاج هرموني خلال عام 2023.

ورغم انتشاره، لا تزال المعرفة العلمية محدودة بشأن تأثير سن اليأس والعلاج الهرموني على الدماغ والصحة النفسية والقدرات المعرفية على المدى الطويل.

دراسة واسعة شملت 125 ألف امرأة

اعتمد الباحثون في جامعة كامبريدج على بيانات UK Biobank، وشملت الدراسة قرابة 125 ألف امرأة، قُسمن إلى ثلاث مجموعات:

نساء لم يصلن بعد إلى سن اليأس

نساء بعد سن اليأس ولم يستخدمن العلاج الهرموني

نساء بعد سن اليأس واستخدمن العلاج الهرموني

وشملت البيانات:

استبيانات عن الأعراض النفسية والنوم والصحة العامة

اختبارات معرفية لقياس الذاكرة وسرعة الاستجابة

فحوصات الرنين المغناطيسي (MRI) لحوالي 11 ألف امرأة لدراسة بنية الدماغ

وكان متوسط عمر انقطاع الطمث نحو 49.5 عاما، وهو تقريبا العمر نفسه الذي تبدأ فيه النساء باستخدام العلاج الهرموني.

القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بعد سن اليأس

أظهرت النتائج أن النساء بعد سن اليأس كنّ:

أكثر لجوءا للأطباء النفسيين وأطباء الأسرة

أكثر تسجيلا لأعراض القلق والاكتئاب

أكثر استخداما لمضادات الاكتئاب

وفي البداية، بدا أن مستخدمات العلاج الهرموني يعانين من معدلات أعلى من القلق والاكتئاب، لكن التحليل المتعمق أظهر أن هذه المشكلات كانت موجودة قبل سن اليأس، ما يشير إلى أن العلاج وُصف أحيانا كإجراء وقائي.

أما اضطرابات النوم، فكانت أكثر شيوعا بعد سن اليأس، وشملت:

الأرق

قلة مدة النوم

الإرهاق المزمن

وسجلت النساء اللاتي استخدمن العلاج الهرموني أعلى مستويات الشعور بالتعب، رغم أن مدة نومهن كانت مشابهة لغيرهن.

نمط الحياة والصحة النفسية

قالت الدكتورة كريستيل لانغلي من قسم الطب النفسي بجامعة كامبريدج:

"تمر معظم النساء بسن اليأس، وقد تكون هذه المرحلة فارقة في حياتهن، سواء استخدمن العلاج الهرموني أم لا. ويُعد اتباع نمط حياة صحي، مثل ممارسة الرياضة والتغذية السليمة، أمرا بالغ الأهمية للتخفيف من تأثير هذه المرحلة."

وأضافت أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يقل أهمية عن الجوانب الجسدية، مؤكدة ضرورة كسر حاجز الصمت وطلب المساعدة دون حرج.

التغيرات المعرفية وسرعة الاستجابة

أظهرت الدراسة أن النساء بعد سن اليأس وغير المستخدمات للعلاج الهرموني سجلن بطئا في سرعة الاستجابة الذهنية مقارنة بالنساء قبل سن اليأس أو اللاتي يستخدمن العلاج.

في المقابل، لم تُسجل فروق كبيرة في الذاكرة بين المجموعات الثلاث.

وقالت الدكتورة كاتارينا تسولسدورف من قسم علم النفس:

"تباطؤ سرعة الاستجابة جزء طبيعي من التقدم في العمر، لكنه يبدو أسرع بعد سن اليأس، في حين يساهم العلاج الهرموني في إبطاء هذا التراجع جزئيا."

فقدان المادة الرمادية في مناطق دماغية حساسة

أظهرت صور الرنين المغناطيسي انخفاضا واضحا في حجم المادة الرمادية لدى النساء بعد سن اليأس، سواء استخدمن العلاج الهرموني أم لا.

وشملت المناطق الأكثر تأثرا:

الحُصين (Hippocampus): مسؤول عن تكوين الذاكرة

القشرة الشمية الداخلية (Entorhinal Cortex): بوابة نقل المعلومات في الدماغ

القشرة الحزامية الأمامية: مسؤولة عن تنظيم المشاعر واتخاذ القرار والتركيز

هل هناك علاقة بخطر الخرف؟

قالت البروفيسورة باربرا ساهاكيان، المؤلفة الرئيسية للدراسة:

"المناطق الدماغية التي لاحظنا فيها هذه التغيرات هي نفسها التي تتأثر بمرض ألزهايمر. وقد يجعل سن اليأس بعض النساء أكثر عرضة للإصابة بالخرف لاحقا، وهو ما قد يفسر سبب تسجيل النساء ما يقارب ضعف حالات الخرف مقارنة بالرجال."


المصدر: مجلة: Psychological Medicine