أسرار الغلاف الجوي العميق في أدق تصور للبنية العميقة لغلاف كوكب المشتري
منوعات
أسرار الغلاف الجوي العميق في أدق تصور للبنية العميقة لغلاف كوكب المشتري
27 كانون الثاني 2026 , 13:15 م

تخفي سحب كوكب المشتري الكثيفة أسرارا طالما حيّرت العلماء، إذ تمنع طبيعتها العاصفة أي مركبة فضائية من قياس ما يوجد أسفلها بشكل مباشر. لكن دراسة علمية جديدة، قادها باحثون من جامعة شيكاغو بالتعاون مع مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا (JPL)، نجحت في تقديم أدق تصور حتى الآن للبنية العميقة لغلاف أكبر كواكب المجموعة الشمسية.

وتكشف النتائج معلومات غير متوقعة حول تركيب المشتري الكيميائي وديناميكيات غلافه الجوي، ما يسهم في فهم أعمق لكيفية تشكّل الكواكب في النظام الشمسي.

سحب عملاقة تخفي ما تحتها

تجتاح سحب شاهقة سطح كوكب المشتري، وهي تشبه سحب الأرض في احتوائها على الماء، لكنها أكثر كثافة بكثير. وتشكل هذه السحب طبقات سميكة إلى درجة أن أي مسبار فضائي لم يتمكن حتى الآن من قياس ما يوجد أسفلها مباشرة.

وتغطي العواصف العملاقة كامل سطح الكوكب، في مشهد دائم التغير، ما يجعل الغلاف الجوي للمشتري من أكثر البيئات تطرفا في النظام الشمسي.

نموذج جوي غير مسبوق

اعتمد الباحثون على أكثر نموذج حاسوبي تفصيلاً لغلاف المشتري الجوي حتى الآن، ما أتاح لهم دراسة طبقاته العميقة بطرق لم تكن ممكنة سابقا.

وقالت جيهيون يانغ، الباحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة شيكاغو والمؤلفة الرئيسية للدراسة:

"هذا جدل قائم منذ فترة طويلة في علم الكواكب، ويُظهر هذا العمل كيف يمكن للجيل الجديد من النماذج الحاسوبية أن يغير فهمنا للكواكب الأخرى."

وقد نُشرت الدراسة في مجلة The Planetary Science Journal.

عواصف المشتري وتركيب غلافه الجوي

يعرف الفلكيون الغلاف الجوي العنيف للمشتري منذ أكثر من 360 عاما، عندما كشفت التلسكوبات الأولى عن عاصفة هائلة عُرفت لاحقا باسم البقعة الحمراء العظيمة، والتي يزيد حجمها على ضعف حجم الأرض واستمرت لقرون.

وتُعد هذه العاصفة جزءًا من نظام واسع من الرياح العنيفة وطبقات السحب المرتفعة التي تغطي الكوكب بالكامل.

لماذا يصعب دراسة أعماق المشتري؟

تتميز سحب المشتري بكثافة شديدة، لدرجة أن مسبار غاليليو التابع لناسا فقد الاتصال بالأرض أثناء هبوطه في الغلاف الجوي العميق عام 2003.

أما اليوم، فتواصل مهمة جونو (Juno) دراسة المشتري من المدار، حيث تجمع بيانات دقيقة مع الحفاظ على مسافة آمنة من الضغوط الهائلة في الأعماق السفلية.

وتوفر القياسات المدارية معلومات عن مكونات الغلاف الجوي العلوي، مثل:

الأمونيا

الميثان

كبريتيد هيدروجين الأمونيوم

الماء

أول أكسيد الكربون

الجمع بين الكيمياء وديناميكيات السوائل

لطالما اختلفت الدراسات السابقة حول بعض التفاصيل، أبرزها كمية الماء والأكسجين في كوكب المشتري.

وتكمن صعوبة النمذجة في أن جزيئات الغلاف الجوي تنتقل بين مناطق شديدة الحرارة في الأعماق ومناطق أبرد في الأعلى، وتتغير حالتها الكيميائية عبر آلاف التفاعلات المعقدة، إضافة إلى سلوك السحب وقطرات الماء.

وللتغلب على ذلك، دمج الباحثون الكيمياء وديناميكيات الموائع (الهيدروديناميكا) في نموذج واحد، وهي خطوة تُنفذ لأول مرة.

وقالت يانغ:

"الكيمياء وحدها لا تأخذ سلوك السحب بعين الاعتبار، والهيدروديناميكا وحدها تُبسط الكيمياء بشكل مفرط. لذلك كان من الضروري دمجهما."

المشتري أغنى بالأكسجين مما كان يُعتقد

من أبرز نتائج الدراسة تقدير جديد لكمية الأكسجين في المشتري، حيث تشير الحسابات إلى أن الكوكب يحتوي على نحو مرة ونصف كمية الأكسجين الموجودة في الشمس.

ويخالف هذا التقدير دراسات سابقة قدّرت النسبة بأنها لا تتجاوز ثلث الكمية الشمسية، ما أثار جدلًا طويل الأمد في علم الكواكب.

ماذا يخبرنا ذلك عن نشأة النظام الشمسي؟

تتكون الكواكب والشمس من العناصر نفسها، لكن اختلاف نسب هذه العناصر يوفر أدلة مهمة حول كيفية تشكّل الكواكب.

ويرتبط الأكسجين في المشتري إلى حد كبير بالماء، الذي يمكن أن يتجمد بعيدًا عن حرارة الشمس. ويسهل تراكم الجليد على الكواكب أكثر من بخار الماء، ما يساعد العلماء على تحديد:

هل تشكّل المشتري في موقعه الحالي؟

أم تكوّن في منطقة أخرى ثم انتقل لاحقًا؟

وتساعد هذه المعارف أيضا في البحث عن كواكب صالحة للحياة خارج نظامنا الشمسي.

حركة أبطأ في الغلاف الجوي

اقترح النموذج الجديد أن حركة الغلاف الجوي للمشتري عموديا (صعودا وهبوطا) أبطأ بكثير مما كان يُعتقد سابقا.

وأوضحت يانغ:

"تشير نتائجنا إلى أن الانتشار أبطأ بنحو 35 إلى 40 مرة من الافتراضات القياسية، إذ قد يستغرق الجزيء الواحد أسابيع لعبور طبقة واحدة من الغلاف الجوي بدلا من ساعات."

تؤكد هذه النتائج أن كوكب المشتري لا يزال يخفي الكثير من الأسرار، رغم كونه أحد أكثر الكواكب دراسة في النظام الشمسي.

وقالت يانغ في ختام الدراسة:

"هذا يوضح مدى ما لا نزال نجهله عن الكواكب، حتى داخل نظامنا الشمسي نفسه."

المصدر: The Planetary Science Journal