ناسا تخترق قلب الشفق القطبي وترصد الدوائر الكهربائية الخفية
علوم و تكنولوجيا
ناسا تخترق قلب الشفق القطبي وترصد الدوائر الكهربائية الخفية
21 شباط 2026 , 14:32 م

أطلقت NASA ثلاثة صواريخ بحثية من ولاية ألاسكا لدراسة القوى الكهربائية القوية التي تقف وراء ظاهرة الشفق القطبي ، في خطوة تهدف إلى فهم أعمق للبنية الكهربائية المعقدة لهذه الظاهرة الطبيعية وتأثيرها على الغلاف الجوي العلوي للأرض.

وجرى تنفيذ مهمتين علميتين باستخدام صواريخ سبر قصيرة المدى من موقع الإطلاق في بوكير فلات قرب فيربانكس، وذلك بإشراف فريق من NASA’s Goddard Space Flight Center.

إطلاق مهمتين علميتين من ألاسكا

أطلقت مهمة Black and Diffuse Auroral Science Surveyor في 9 فبراير عند الساعة 3:29 صباحا بتوقيت ألاسكا، وبلغ الصاروخ ارتفاعا يقارب 360 كيلومترا. وأكدت الباحثة الرئيسية مارليا سامارا أن جميع الأجهزة العلمية، بما في ذلك تقنيات الاختبار الجديدة، عملت وفق الخطة، وتم جمع بيانات عالية الجودة.

وفي اليوم التالي، 10 فبراير، أُطلقت مهمة Geophysical Non-Equilibrium Ionospheric System Science المعروفة اختصارا باسم GNEISS، عبر صاروخين متتاليين خلال 30 ثانية فقط. ووصلا إلى ارتفاعين يقاربان 319 كيلومترا لكل منهما. وأوضحت الباحثة الرئيسية كريستينا لينش أن جميع المحطات الأرضية والأجهزة الفرعية أدت مهامها كما هو متوقع، وأن الفريق راضٍ عن عمليات الإطلاق والبيانات الأولية.

كيف يتشكل الشفق القطبي؟

يظهر الشفق القطبي عندما تتدفق إلكترونات قادمة من الفضاء نحو الطبقات العليا من الغلاف الجوي للأرض. وعند اصطدام هذه الجسيمات المشحونة بالغازات الجوية، تتولد الأشرطة الضوئية الملونة المعروفة.

وتشبه هذه العملية تدفق الكهرباء عبر سلك لإضاءة مصباح. إلا أن الضوء المرئي ليس سوى جزء من دائرة كهربائية أكبر وأكثر تعقيدا.

الدائرة الكهربائية الخفية خلف الأضواء

عند دخول الإلكترونات إلى الغلاف الجوي لتكوين الشفق، لا بد أن تعود تيارات أخرى إلى الفضاء لإغلاق الدائرة الكهربائية. وبينما تكون الحزمة الداخلة من الجسيمات مركزة نسبيًا، فإن التيار العائد يكون أكثر تشتتا وتعقيدا.

بعد إنتاج الضوء، تنتشر الإلكترونات في اتجاهات متعددة، وتتأثر بالتصادمات الجوية، وحركة الرياح، واختلافات الضغط، والتغيرات في الحقول الكهربائية والمغناطيسية. ومع مرور الوقت، تجد هذه الجسيمات مسارات للعودة إلى الفضاء، مما يُغلق الدائرة ضمن بيئة ديناميكية متغيرة باستمرار.

مهمة GNEISS ترسم صورة ثلاثية الأبعاد للتيارات

لفهم كيفية انتشار التيار العائد عبر الغلاف الجوي، صُممت مهمة GNEISS لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للبنية الكهربائية للشفق القطبي.

أُطلق الصاروخان في وقت متزامن تقريبا، وحلقا جنبا إلى جنب عبر نفس عرض الشفق ولكن بمسارات مختلفة قليلا. وأطلق كل صاروخ أربع حمولات فرعية لقياس الخصائص الفيزيائية في نقاط متعددة داخل المنطقة المتوهجة.

وخلال تحليقهما، أرسل الصاروخان إشارات راديوية عبر البلازما المحيطة إلى أجهزة استقبال أرضية. وتقوم البلازما بتعديل هذه الإشارات أثناء مرورها، بطريقة مشابهة لتأثير أنسجة الجسم على الأشعة السينية في التصوير الطبي المقطعي (CT). ومن خلال تحليل هذه التغيرات، يستطيع العلماء تحديد كثافة البلازما وتحديد مواقع تدفق التيارات الكهربائية، ما يتيح إنشاء مسح ثلاثي الأبعاد واسع النطاق للبيئة الشفقية.

أهمية التيارات الشفقية في طقس الفضاء

لا تقتصر أهمية دراسة التيارات الشفقية على الجانب النظري فقط، بل تمتد إلى فهم كيفية توزيع الطاقة القادمة من الفضاء داخل الغلاف الجوي العلوي للأرض.

فعندما تنتشر هذه التيارات، فإنها تسخّن الهواء المحيط، وتولّد رياحًا واضطرابات قد تؤثر في الأقمار الصناعية التي تعبر تلك المنطقة. لذلك يُعد فهم هذه العمليات عنصرا أساسيا في التنبؤ بظروف طقس الفضاء وتقليل المخاطر التقنية.

وكانت ناسا قد أطلقت في مارس 2025 مهمة القمر الصناعي EZIE لقياس التيارات الكهربائية الشفقية من المدار. ويسهم الجمع بين بيانات الأقمار الصناعية، والصور الأرضية، وقياسات الصواريخ المباشرة، في تقديم صورة أكثر تكاملا عن النظام بأكمله.

دراسة الشفق الأسود وانعكاس التيارات

بالتوازي مع مهمة GNEISS، ركزت مهمة Black and Diffuse Auroral Science Surveyor على ظاهرة تُعرف باسم "الشفق الأسود"، وهي بقع داكنة تظهر داخل الشفق المضيء.

ويعتقد العلماء أن هذه المناطق قد تشير إلى مواقع يحدث فيها انعكاس مفاجئ في اتجاه التيارات الكهربائية. وكانت هذه المهمة قد تأجلت في عام 2025 بسبب ظروف جوية وعلمية غير ملائمة، قبل أن تنجح عملية الإطلاق الأخيرة وتبدأ مرحلة تحليل البيانات الجديدة.

صواريخ السبر أداة مباشرة لفهم الظواهر الفضائية

يتشكل الشفق القطبي في منطقة التفاعل بين الفضاء والغلاف الجوي للأرض، حيث تتداخل التيارات الكهربائية والجسيمات المشحونة وعدد هائل من التصادمات الفيزيائية.

وتوفر صواريخ السبر فرصة نادرة للتحليق مباشرة داخل هذه الظواهر، ووضع الأجهزة العلمية في قلب العمليات الفيزيائية نفسها. ومن خلال مهمات قصيرة ومدروسة التوقيت، تسعى ناسا إلى تحويل ومضات الضوء العابرة إلى بيانات علمية دقيقة تساعد على فهم تأثير طقس الفضاء في كوكب الأرض.

المصدر: NASA