هل تعيد قصة الأرمادا نفسها؟
مقالات
هل تعيد قصة الأرمادا نفسها؟
حليم خاتون
28 كانون الثاني 2026 , 23:12 م

كتب الأستاذ حليم خاتون: هل تعيد قصة الأرمادا نفسها؟

أواخر القرن السادس عشر نشبت حرب ضروس بين الإمبراطورية الانجليزية الصاعدة بقيادة اليزابيت الأولى، والامبراطورية الإسبانية التي كانت سيدة العالم دون منازع في ذلك الزمن...

أرسل فيليب الثاني ملك إسبانيا اسطول الأرمادا الضخم المكون من اكثر من ١٣٠ سفينة حربية حديثة مجهزة بأفضل ما كانت تنتجه مصانع السلاح يومها لتأديب إنكلترة وجعلها مثالا لكل من تسوّل له نفسه تحدي إسبانيا...

لم يكن أمام الإنكليز اي خيار آخر سوى القتال حتى لا يكون مصيرهم الخضوع من جديد لنفوذ بابا روما الداعم الأساسي لفيليب الثاني وسطوة إسبانيا على العالمين الجديد والقديم...

قررت اليزابيت الخروج عن الأصول العسكرية الكلاسيكية، فاستعانت بقراصنة انكليز يعرفون البحار بالخبرة وليس بالدراسة الأكاديمية...

بالفعل، استطاع هؤلاء القراصنة تحويل الحصار البحري الاسباني إلى كارثة انتهت بتدمير السفن الإسبانية وإخراج إسبانيا نهائيا من عالم الكبار، وعالم السيادة على البحار التي اضحت يومها السبب الأساسي في صعود نجم اليزابيت وتكريس الإمبراطورية الانجليزية أرضا لا تغيب عنها الشمس...

منذ ساعات قليلة خرج دونالد ترامب يتفاخر بأن أرمادا كبيرة جديدة تتجه للانضمام إلى ثلاث حاملات طائرات مع اطقم الغواصات والمدمرات التي ترافقها والتي تحاول الإطباق على إيران من البحر المتوسط والبحر والأحمر والمحيط الهادئ، بينما يتكفل العملاء الآتون من تركمانستان وافغانستان واذربيجان وكردستان العراق بالباقي...

كالعادة، ارسل نائب قائد الحرس الثوري الإيراني تحذيرات في محاولة لردع ترامب عن هذه المغامرة!!!...

كما كان بين جنرالات اليزابيت من كان يدعو للتفاوض مع فيليب الثاني والتنازل بعض الشيء لتفادي الضربة؛ كذلك الأمر في إيران؛ هناك من لا يزال يريد جر الإيرانيين إلى نفس الجحر الذي لُدغوا منه مرات ومرات...

هناك في إيران من يتحدث عن إمكانية التنازل في البرنامج النووي، والقبول بالتخصيب خارج الأراضي الإيرانية... هذا ما ظهر على الأقل في مقابلة للدكتور حسام مطر، اضاف فيها ان الشرط الثاني في تخلي إيران عن دعم ما يسميه الأميركيون اذرع ايران في لبنان وفلسطين قد اصبح واقعا بفضل تكتيك الانتيكا والبولوتيكا وفقا للشيخ إمام رحمه الله...

صحيح ان ترامب جبان ولا يمكن ان يقبل الدخول في مغامرة قد تكلفه عظمة أميركا...

لكن الإغراءات قوية...

الايرانيون خُدعوا عشرات المرات، وربما لا يزالون عرضة للخداع من جديد...

قد تكون المواقف الرسمية للسعودية والإمارات وقطر برفض استخدام أجواء هذه البلدان ضد ايران نوعا من الخداع لكي تطمئن القيادات الايرانية وتسمح بشيء من التراخي، كما حصل في لبنان حين تم خداع حزب الله بأن بيروت والضاحية لن تُقصفا فتم اغتيال قيادات الصف الأول كله تقريبا في أيام متتالية...

لا يوجد أحد يمكن أن يقول أن هناك توازنا ما بين القوة الأميركية الغاشمة والقوات الإيرانية...

لكن، كم من فئة قليلة غلبت في التاريخ...

خرج العرب من الصحراء حفاة بين مطرقتين:

الإمبراطورية البيزنطية، والامبراطورية الفارسية...

كانت كل الارقام والمنطق تقول باستحالة انتصار العرب...

لكن العرب انتصروا يومها...

لم يكن هناك محمود عباس ولا نواف سلام ولا اي كلب من كلاب القمم العربية...

إذا وافقت إيران على أي طلب أميركي حتى لو كان أكثر تفاهة من ترامب نفسه، نكون أمام هزيمة مدوية جديدة لمحور المقاومة...

أما إذا رفضت إيران أي تفاوض تحت الحصار وتحت النار وبادرت إلى حرب استباقية هي شرعية الف في المئة ضد اسرائيل من كل الجبهات بلا استثناء قبل اكتمال طوق الأمان والحماية الأميركي، عندها يكون ترامب قد دخل في حرب لا يريدها ولن يستطيع تحقيق أي نصر فيها...

هل يقوم الإمام الخامنئي بما قامت به اليزابيت الأولى وينجح الحرس الثوري في كسر الارمادا الأميركية الجديدة فيسقط تاج السيطرة الأميركية وتسقط معه إسرائيل وكل المنظومة الغربية...

لقد أخطأ المحور طيلة حرب الإسناد عندما سمح لتحالف غربي كامل باستفراد كل جبهة من جبهات المقاومة على حدة...

كل ما يحتاجه محور المقاومة هو إتخاذ قرار الحرب وخوضها بعزيمة حسينية لا يرقى اليها اي شك...

سوف يلعن التاريخ ايا كان يُقدِم على أي تنازل مهما بلغت تفاهته...

يجب ان يصبح ما حدث في لبنان درسا لأي مقاومة فرطت او تفرط بأي سبب من اسباب قوتها...

"قد يستطيع العالم سحقي، لكنه بالتأكيد لن يستطيع إجباري على وقف القتال والقبول بالهزيمة حتى لو كانت بصفقة مثل ما حدث في لبنان من عهر لم ينته ولن ينته إلا بنفض الغبار الذي تغلغل إلى داخل عقول المقاومة وعطل عزيمة الانتصار بالشهادة او النصر...