«إذا تم انتخاب المالكي رئيسًا للوزراء، فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تعود لمساعدة العراق».
بهذه العبارة الفجّة، التي لا تحمل أي قناع دبلوماسي، خرج دونالد ترامب من كل الأعراف، كاشفًا أن النظام الدولي لم يعد يُدار بلغة القانون أو السيادة، بل بمنطق الفرمان. لم يكن التصريح رأيًا سياسيًا، ولا تحذيرًا تكتيكيًا، بل إعلانًا صريحًا بأن إرادة الشعوب باتت خاضعة لمزاج الإمبراطورية.
تخيل أن منطق السطو والبلطجة السياسية وصل إلى حدّ مصادرة حق الشعوب في اختيار قادتها، حتى وإن جاء هذا الاختيار عبر صناديق الاقتراع التي طالما قدّمها الغرب كذروة القيم الإنسانية. فجأة، تصبح الديمقراطية مقبولة فقط حين تنتج من ترضى عنه واشنطن، ومرفوضة حين تفرز خيارًا لا ينسجم مع خرائط الهيمنة.
ترامب لا يتحدث كرئيس دولة، بل كفرعون متأخر في التاريخ، يرى نفسه مالك الشرعية العالمية. يحكم العالم بوصفه إمبراطورية لا شركاء فيها، سلطانها واحد، يوزّع الشرعية ويصادرها، ويعيّن أولياء على الدول من خارج إرادة شعوبها، لا عبر صناديق أو برامج، بل عبر تهديد مباشر ،، الطاعة مقابل البقاء، والرفض مقابل الحرمان والعقاب.
وهنا تتجاوز المسألة العراق بوصفه حالة سياسية، لتتحول إلى نموذج حكم كوني قيد التعميم. فالقضية ليست في اسم المالكي ولا في بغداد، بل في كل دولة لا تزال تملك حدًا أدنى من السيادة، أو هامشًا من حرية القرار، أو وهمًا بأن اختيار قادتها شأن داخلي. كل هذه الدول باتت على خط الابتزاز المفتوح.
ما قاله ترامب ليس زلّة لسان، بل تعبير عن عقيدة سياسية مكتملة: الانتقال من الهيمنة المقنّعة إلى الاستبداد العلني. لم تعد الإمبراطورية بحاجة إلى تبرير أفعالها، ولا إلى تزويق خطابها بالقيم، بل صارت تمارس سلطتها كما هي: عارية، فظة، ومباشرة.
في التاريخ، لا يولد الفرعون في لحظة قوة، بل في لحظة تفكك المعايير. هكذا كان نيرون حين اعتبر روما ملكية شخصية، وكاليغولا حين حوّل مجلس الشيوخ إلى ديكور، ونابليون حين صادر إرادة أوروبا باسم الاستقرار، وهتلر حين جعل من الصندوق الانتخابي تفويضًا لإلغاء العالم. جميعهم اشتركوا في جوهر واحد: تحويل الدولة إلى امتداد للأنا، والقانون إلى أداة، والشعوب إلى رعايا مشروطين بالولاء.
ترامب ينتمي إلى هذا النمط، لكن بصيغة ما بعد حداثية ،لا ينقلب على الديمقراطية، بل يستخدم لغتها لإعدامها؛ لا يلغي الانتخابات، بل يفرغ نتائجها من معناها؛ لا يعلن الحروب، بل يحوّل الاقتصاد والمساعدات والعقوبات إلى أدوات إخضاع شامل. إنه دكتاتور السوق والقوة الناعمة حين تفقد نعومتها.
استراتيجيًا، نحن أمام تحوّل خطير في بنية النظام الدولي ،انتقال من نظام يقوم على توازن الردع والمؤسسات إلى نظام تُشخْصَن فيه القوة وتُختَزل في إرادة فرد. حين تصبح كلمة رئيس قادرة على تعطيل خيارات شعوب كاملة، فإننا نكون قد دخلنا مرحلة الفوضى الإمبراطورية، حيث لا قانون إلا مصلحة السيد، ولا شرعية إلا القرب منه.
هذا النموذج لا ينتج استقرارًا، بل يولّد مقاومات صامتة، وتحالفات مضادة، وتآكلًا بطيئًا في شرعية الهيمنة نفسها. فالتاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات التي تحكم بالفرمان لا تسقط بضربة واحدة، بل تتفكك من الداخل، لأن القهر لا يصنع ولاء، والابتزاز لا يصنع نظامًا طويل العمر.
العالم اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن تُستعاد السيادة كحق غير قابل للمساومة، وإما أن ندخل عصرًا تصبح فيه الانتخابات إجراءً شكليًا، والدول وحدات إدارية، والشعوب جماعات مُدارة عن بُعد. في ذلك العصر، لن يكون السؤال من يحكم من، بل من يُسمح له أصلًا أن يختار ، وحين يصل العالم إلى هذه اللحظة، لن يكون العراق وحده في دائرة الخطر، بل الإنسانية السياسية برمتها.
عباس المعلم - كاتب سياسي