بعد الاتفاق بين «قسد» والحكومة السورية في دمشق، لم يعد هذا التطور يُقرأ كخطوة معزولة أو تفاهم تقني محدود، بل كجزء من مسار أوسع لإعادة ترتيب المشهد السوري، حيث يتقدّم الجنوب اليوم ليكون الساحة التالية لإعادة الضبط السياسي والأمني. فالتفاهم الأخير فتح الباب أمام مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة الأولويات الجغرافية، وتُختبر فيها التفاهمات الإقليمية والدولية بعيدًا عن منطق الحسم العسكري الشامل.
يرى مراقبون أن الجنوب السوري، الممتد من درعا إلى السويداء والقنيطرة، بات محور اهتمام متزايد، ليس فقط لدمشق، بل أيضًا لواشنطن وتل أبيب وموسكو، مع تقاطع مصالح هذه الأطراف حول ضرورة منع الانفجار، وضبط الحدود، وتقليص احتمالات المواجهة المباشرة. وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن ضغوط أميركية مزدوجة، لا تقتصر على الحكومة السورية وحدها، بل تشمل إسرائيل أيضًا، في محاولة لدفع الطرفين نحو صيغة تفاهم أو تهدئة طويلة الأمد، تُدار من خلالها الجبهة الجنوبية بأقل كلفة ممكنة.
الولايات المتحدة، وفق هذه القراءة، تسعى إلى جنوب سوري “مستقر وظيفيا”، أي خالٍ من التوترات المفاجئة، ومنضبط أمنيا، وقابل للرقابة، بما يضمن أمن إسرائيل من جهة، ويمنع تحوّل الجنوب إلى ساحة اشتباك إقليمي مفتوح من جهة أخرى. من هنا، يُعاد طرح أفكار تتعلق بترتيبات أمنية خاصة، تشمل مناطق منزوعة السلاح الثقيل، أو خاضعة لقيود صارمة على الانتشار العسكري، في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة.
ضمن هذا الإطار، تكتسب زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو دلالة سياسية لافتة. فروسيا، التي ما زالت لاعبا محوريا في الملف السوري، تدرك حساسية الجنوب بوصفه منطقة تماس مباشرة مع إسرائيل، وتدرك في الوقت نفسه حجم الدور الأميركي في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وعليه، تبدو الزيارة أقرب إلى بحث في تصورات مشتركة حول إدارة الجنوب، وضبط إيقاعه، ومنع أي تحولات غير محسوبة قد تخلط الأوراق.
اللافت أن هذه الترتيبات لا تبدو منفصلة عن الموقف التركي. فأنقرة، التي حصلت خلال الفترة الماضية على ما تعتبره مكاسب مرضية في الشمال وشرق سوريا، تبدو أكثر قابلية للتوافق على إعادة تنظيم الجنوب، طالما أن ذلك لا يمسّ بمصالحها المباشرة ولا يفتح المجال أمام تمدد خصومها. وفي هذا السياق، يقرأ بعض المراقبين أن الانتقال إلى ملف الجنوب جاء بعد “تسوية” غير معلنة مع الأتراك شمالا، ضمن عملية إعادة توزيع للأدوار والمناطق.
في المحصلة، يتجه الجنوب السوري ليكون اختبارا جديدا لصيغ إدارة الصراع بدل حسمه، ولتوازنات تُفضّل التهدئة المراقَبة على المواجهة المفتوحة. مرحلة قد تمنح هامش استقرار مؤقت، لكنها تبقى هشّة، ومرهونة بمدى قدرة هذه الترتيبات على مراعاة خصوصيات درعا والسويداء والقنيطرة، وعدم اختزالها إلى مجرد مناطق عازلة في لعبة إقليمية كبرى .